من مطار صنعاء إلى البحر الأحمر.. كيف يوظف الحوثيون الملف الإنساني لخدمة التصعيد الإيراني؟ مقال
مقال للدكتور: صالح الجبري
رئيس مركز يني يمن الإعلامي
لم يعد الملف الإنساني في اليمن، بالنسبة لمليشيا الحوثي، قضية تبحث عن حلول حقيقية بقدر ما أصبح أداة سياسية وإعلامية تُستخدم كلما واجهت الجماعة ضغوطاً داخلية أو إقليمية. فبعد سنوات من الحديث عن "الحصار" ومعاناة المدنيين، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف تناقضاً واضحاً بين الخطاب الحوثي والواقع على الأرض، خاصة بعد انتقال الجماعة من الحديث عن مطار صنعاء إلى إعلان تهديد الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية.
ذرائع تتهاوى أمام المبادرات الإنسانية
خلال الأشهر الماضية، برزت عدة مبادرات هدفت إلى تخفيف معاناة اليمنيين، كان أبرزها المبادرة الأردنية لإعادة تشغيل الرحلات التجارية بين صنعاء وعمّان، إضافة إلى رحلات إنسانية سابقة باتجاه القاهرة لتسهيل سفر المرضى والحالات الإنسانية.
هذه المبادرات أظهرت أن باب الحلول لم يكن مغلقاً، وأن إمكانية استمرار الرحلات المدنية كانت قائمة متى ما توافرت الترتيبات اللازمة، وهو ما أضعف الرواية التي تكررها الجماعة بشأن وجود "حصار" يمنع حركة الطيران المدني.
من تسبب في تدمير مطار صنعاء؟
في المقابل، يتجاهل الخطاب الحوثي حقيقة أن مطار صنعاء والبنية التحتية للطيران المدني تعرضت لأضرار جسيمة خلال الضربات الإسرائيلية التي جاءت عقب الهجمات التي تبنتها الجماعة ضد إسرائيل.
فاستهداف المطار والطائرات المدنية لم يكن نتيجة إجراءات اتخذتها الحكومة اليمنية أو المملكة العربية السعودية، بل جاء في سياق التصعيد العسكري الذي انخرطت فيه الجماعة خارج إطار الصراع اليمني، وهو ما جعل المنشآت المدنية تدخل دائرة الاستهداف.
ورغم ذلك، واصلت الحكومة اليمنية البحث عن حلول لإبقاء الرحلات الإنسانية قائمة، انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المواطنين، وهو ما تجسد في دعم المبادرات الإقليمية الخاصة بتسيير الرحلات من وإلى مطار صنعاء.
من شعار "نصرة غزة" إلى التصعيد الإقليمي
عندما أعلنت الجماعة انخراطها في الهجمات البحرية والصاروخية تحت شعار "نصرة غزة"، قدمت ذلك باعتباره موقفاً داعماً للفلسطينيين.
لكن مع تراجع هذا الشعار وعدم تحقيقه الأهداف التي أعلنتها الجماعة، انتقلت إلى مرحلة جديدة من التصعيد، تمثلت في إعلان استهداف الملاحة المرتبطة بالسعودية، رغم أن هذا التصعيد لا يرتبط بالحرب في غزة ولا بالأوضاع الإنسانية داخل اليمن.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس انتقال الجماعة إلى تبني أجندة إقليمية أوسع ترتبط بالتطورات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، في وقت تحاول فيه طهران استخدام حلفائها في المنطقة لزيادة أوراق الضغط السياسية والعسكرية.
تصعيد لا يخدم اليمنيين
اللافت أن اليمن يظل الطرف الأكثر تضرراً من أي توتر في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب.
فهذه الممرات البحرية تمثل شرياناً أساسياً للتجارة الدولية، كما تشكل ركيزة مستقبلية للاقتصاد اليمني وموانئه واستثماراته.
وأي تهديد للملاحة يؤدي إلى:
- ارتفاع تكاليف النقل البحري.
- تراجع النشاط التجاري في الموانئ اليمنية.
- انخفاض فرص الاستثمار.
- زيادة عزلة الاقتصاد اليمني.
- تفاقم معاناة المواطنين.
وبالتالي فإن المتضرر الأول من هذه السياسات ليس السعودية أو المجتمع الدولي فحسب، وإنما اليمنيون أنفسهم.
معاناة اليمنيين ليست في الممرات البحرية
اليوم، لا يطالب المواطن اليمني بإغلاق الممرات الدولية أو توسيع دائرة الحرب، بل يطالب بأبسط حقوقه:
- صرف الرواتب.
- تحسين الخدمات.
- توفير الكهرباء.
- استقرار العملة.
- فتح الطرق.
- استمرار الرحلات الجوية.
- إنعاش الاقتصاد.
غير أن الخطاب الحوثي يتجه في مسار مختلف، يقوم على التصعيد العسكري والتعبئة وإدخال اليمن في مواجهات إقليمية جديدة، بدلاً من معالجة الملفات المعيشية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
السلام يبدأ من الداخل
يرى كثير من المتابعين أن أي حل حقيقي للأزمة اليمنية يجب أن ينطلق من تغليب مصلحة اليمنيين على الحسابات الإقليمية، وعدم تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الصراعات بين القوى الخارجية.
كما أن استمرار المبادرات الإنسانية، مثل تشغيل الرحلات المدنية وتسهيل حركة المرضى والمسافرين، يثبت أن معالجة القضايا الإنسانية ممكنة عندما تتوافر الإرادة السياسية، بعيداً عن استخدامها كورقة ضغط أو وسيلة لتبرير مزيد من التصعيد.
خلاصة
إن الانتقال من الحديث عن "حصار مطار صنعاء" إلى التهديد باستهداف الملاحة البحرية يعكس تحولاً في طبيعة الخطاب الحوثي من التركيز على الملف الإنساني إلى توسيع دائرة المواجهة الإقليمية. وفي ظل استمرار المبادرات الإنسانية الرامية إلى تخفيف معاناة اليمنيين، يبقى التحدي الأكبر هو تجنيب البلاد مزيداً من التصعيد، والحفاظ على مؤسساتها واقتصادها وممراتها الحيوية، بما يخدم مصالح الشعب اليمني ويهيئ الظروف لاستقرار دائم.




التعليقات