‏وقفة جماهيرية حاشدة ..مارب ‏تبادل الوفاء بالوفاء ‏
مع الأشقاء في المملكة ودول الخليج




أمريكا وإيران تعلنان النصر على بعضهما ..هدنة معلّقة لا سلام نهائي.. لماذا لا يزال القصف مستمراً رغم اتفاق واشنطن وطهران؟ (قراءة عميقة للمشهد)

إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قد أُعلن بالفعل، فلماذا لا تزال الصواريخ والطائرات المسيّرة تتساقط على الدول الخليجية، ولماذا يواصل الجيش الإسرائيلي قصف لبنان بعنف غير مسبوق؟
هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً منذ إعلان الهدنة التي وُصفت بأنها جاءت في اللحظات الأخيرة قبل انقضاء المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطهران.

الحقيقة أن ما جرى حتى الآن لا يبدو سلاماً كاملاً بقدر ما يبدو اتفاقاً هشاً ومشروطاً، تحيط به ثغرات سياسية وعسكرية كثيرة، فيما يسارع كل طرف إلى تقديمه باعتباره انتصاراً خاصاً به، وسط غموض كبير بشأن موعد التطبيق الفعلي، وطبيعة البنود السرية، وحدود الجبهات المشمولة بالاتفاق.

ترمب يتحدث عن نصر.. ثم عن أموال وسلام

منذ اللحظة الأولى لإعلان الاتفاق، بدا واضحاً أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اتسم بشيء من التناقض.
ففي البداية، تحدث عن “انتصار كامل وشامل” للولايات المتحدة، مؤكداً أن الجيش الأمريكي حقق أهدافه بالكامل، وأن ملف اليورانيوم الإيراني سيتم التعامل معه “على أكمل وجه”.

لكن بعد ساعات، تغيّرت نبرة ترمب تدريجياً، ليتحدث عن السلام العالمي، وعن حركة الملاحة في مضيق هرمز، بل وذهب إلى حد الحديث عن “أموال طائلة” و**“العصر الذهبي للشرق الأوسط”**، في خطاب بدا أقرب إلى الرهان الاقتصادي منه إلى لغة الحرب والحسم.

ويرى مراقبون أن هذا التحول في الخطاب الأمريكي يعكس حقيقة أن واشنطن لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره إنهاءً للحرب بقدر ما تعتبره فرصة لإدارة الأزمة وإعادة توجيهها نحو التفاوض والمصالح الاقتصادية والأمنية.

إيران أيضاً تعلن النصر

في المقابل، لم تكن طهران أقل احتفاءً بما جرى، إذ قدمت الاتفاق للرأي العام الإيراني على أنه “انتصار تاريخي” فرضته قوة إيران العسكرية وصمودها في الميدان.
وقالت مؤسسات رسمية وإعلامية إيرانية إن الهدنة المؤقتة جاءت بناءً على نصيحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وبعد أن نجحت إيران – بحسب روايتها – في فرض شروطها الأساسية على الطاولة.

وبحسب ما تم تداوله في الإعلام الإيراني، فإن الاتفاق المقترح يتضمن وقف الحرب على جميع جبهات “محور المقاومة”، وتنظيم الملاحة في مضيق هرمز بالتنسيق مع إيران، ورفع العقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وهي مطالب تمنح طهران فرصة تسويق الاتفاق باعتباره مكسباً سيادياً واستراتيجياً لا مجرد هدنة عسكرية.

متى يبدأ وقف إطلاق النار فعلياً؟

هنا تكمن العقدة الأساسية في هذا الاتفاق.

فبحسب ما ظهر من التصريحات الأمريكية والإيرانية، فإن الهدنة لم تدخل حيز التنفيذ بصورة مطلقة ونهائية، بل جاءت مرتبطة بشروط متبادلة.
ترمب أعلن بوضوح أنه وافق على تعليق قصف إيران لمدة أسبوعين، لكنه ربط ذلك صراحة بفتح مضيق هرمز بالكامل وبشكل آمن وفوري. كما أكد مسؤول في البيت الأبيض أن وقف إطلاق النار “يدخل حيز التنفيذ عندما تفتح إيران المضيق”.

أما على الجانب الإيراني، فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن بلاده مستعدة لتوفير ممر آمن عبر المضيق خلال فترة الهدنة، لكن بشرط توقف الهجمات أولاً.
وهكذا، أصبح الاتفاق معلقاً على شرط مقابل شرط، ما يعني أن أي هجوم أو قصف أو خرق ميداني يمكن أن يُستخدم لتبرير استمرار العمليات العسكرية أو تأجيل الالتزام الكامل بالهدنة.

لماذا لا يزال القصف مستمراً على الخليج؟

هذا الغموض في موعد التنفيذ الفعلي هو أحد أهم الأسباب التي تفسر استمرار القصف على الدول الخليجية حتى بعد إعلان الاتفاق.

فبحسب المعلومات الواردة، تعرضت خمس دول خليجية لهجمات إيرانية بعد إعلان الهدنة، من دون أن تقدم طهران تفسيراً رسمياً واضحاً لهذا التصعيد.
ويرى محللون أن ما جرى قد يكون ناتجاً عن واحد أو أكثر من السيناريوهات التالية:

1) الهدنة لم تُفعّل عملياً بعد

لأن تنفيذها مشروط بفتح هرمز ووقف الهجمات، وبالتالي فإن بعض الضربات قد تكون وقعت في الفترة الرمادية بين الإعلان والتطبيق.

2) الرسائل العسكرية لم تتوقف

كل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي قبل بدء المحادثات المرتقبة، عبر الضغط العسكري والسياسي.

3) تعدد الجبهات وصعوبة الضبط

الحرب لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران فقط، بل تشمل إسرائيل، حزب الله، الحوثيين، والجبهات البحرية، ما يجعل ضبط وقف النار معقداً.

4) وجود أطراف تريد إفشال الاتفاق

سواء من داخل المعسكرين أو من القوى الحليفة، لأن الهدنة قد لا تخدم جميع اللاعبين الإقليميين بنفس الدرجة.

لبنان.. الحلقة الأكثر غموضاً في الاتفاق

إذا كان الغموض يحيط بالاتفاق كله، فإن لبنان يبدو حتى الآن العقدة الأخطر والأكثر التباساً.

ففي الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف – الوسيط في الاتفاق – أن الهدنة تشمل “كل مكان بما في ذلك لبنان”، جاء الرد الإسرائيلي معاكساً تماماً، إذ أكد مكتب بنيامين نتنياهو أن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار.

وبعد الإعلان مباشرة، واصلت إسرائيل:

  • قصف جنوب لبنان
  • إصدار أوامر إخلاء جديدة
  • التوغل الميداني
  • استهداف مواقع ومناطق مدنية وعسكرية

في المقابل، لم يعلن حزب الله حتى الآن موقفاً نهائياً واضحاً، لكنه – وفق تقارير – أوقف الهجمات مؤقتاً بانتظار تقييم الموقف الإسرائيلي.

وهذا يعني أن لبنان قد يكون مشمولاً نظرياً في التفاهمات الأمريكية-الإيرانية، لكنه مستبعد عملياً من قبل إسرائيل، وهو ما يفسر استمرار الغارات العنيفة رغم الإعلان عن الهدنة.

ماذا عن مقترح النقاط العشر؟

من أكثر الملفات إثارة للجدل هو ما بات يعرف بـ**“مقترح الـ10 نقاط”**، الذي قالت واشنطن وطهران والوسيط الباكستاني إنه يشكل الأساس التفاوضي للمرحلة المقبلة.
ورغم أن أي طرف رسمي لم ينشر النص الكامل حتى الآن، فإن ما تم تسريبه عبر الإعلام الإيراني يشير إلى أن المقترح يتضمن بنوداً ثقيلة للغاية، أبرزها:

  • تعهد أمريكي بعدم الاعتداء
  • استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز
  • القبول بالتخصيب النووي
  • رفع جميع العقوبات
  • إنهاء قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران
  • تعويض إيران عن أضرار الحرب
  • انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة
  • وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان

وهنا يبرز التناقض الكبير:
إذا كانت هذه البنود قريبة فعلاً من روح الاتفاق، فإنها لا تبدو منسجمة مع خطاب “النصر المطلق” الأمريكي، بل تعكس تنازلات ثقيلة ومعقدة، ما يرجح أن المفاوضات القادمة ستكون شاقة ومليئة بالمفاجآت.

هل سيفرض رسم عبور على مضيق هرمز؟

من أكثر النقاط الغامضة أيضاً ما يتعلق بـمضيق هرمز، الذي تحول إلى المفتاح العملي للهدنة.

فبينما يتحدث ترمب عن عودة كاملة للملاحة وعن “أموال طائلة” ستنتج عن هذا المسار، تتحدث بعض المصادر الإيرانية عن نظام تنسيق جديد وربما رسوم عبور على السفن خلال فترة الهدنة.
لكن سلطنة عمان سارعت إلى نفي أي اتفاق على فرض رسوم، مؤكدة التزامها بالقواعد والاتفاقيات البحرية المعروفة.

وهذا يعني أن ملف هرمز لا يزال هو القلب الحقيقي للاتفاق، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً واستراتيجياً أيضاً، لأن أي خلل فيه يهدد 20% من إمدادات الطاقة العالمية ويعيد الأسواق إلى الفوضى.

هدنة هشة.. أم بداية تسوية كبرى؟

في المحصلة، فإن ما يجري اليوم لا يمكن وصفه ببساطة بأنه سلام، ولا يمكن اعتباره في المقابل انهياراً كاملاً للاتفاق.
نحن على الأرجح أمام هدنة هشة ومشروطة، تُستخدم فيها الدبلوماسية كاستراحة تكتيكية أكثر من كونها نهاية للحرب.

ولهذا، فإن استمرار القصف على الخليج ولبنان لا يعني بالضرورة أن الاتفاق سقط بالكامل، لكنه يكشف بوضوح أن ما أُعلن لم يتحول بعد إلى واقع ميداني مستقر، وأن الأسبوعين القادمين – مع مفاوضات باكستان – سيكونان حاسمين في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو تسوية تاريخية، أم نحو جولة أخطر من الصراع.

اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا