‏وقفة جماهيرية حاشدة ..مارب ‏تبادل الوفاء بالوفاء ‏
مع الأشقاء في المملكة ودول الخليج




تقارب أبوظبي وطهران تحت المجهر.. هل غيّر سقوط المخا معادلة باب المندب؟ (تقرير )


أعاد التقدم العسكري السريع لمليشيا الحوثي على الساحل الغربي لليمن، وسيطرتها على مدينة المخا ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، فتح ملف التحولات الإقليمية المحيطة بالحرب اليمنية، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن أسباب الانسحابات التي سبقت هذا التقدم، وانعكاساته على الأمن القومي اليمني والسعودي والمصري وأمن الملاحة الدولية.

وتؤكد تقارير إخبارية حديثة سيطرة الحوثيين على المخا ومينائها، قبل توسيع انتشارهم باتجاه ذوباب وجزيرة ميون ومناطق باب المندب، ما منح الجماعة المدعومة من إيران حضوراً عسكرياً مباشراً عند واحد من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.

غير أن تفسير الكيفية التي حدث بها هذا التحول الميداني لا يزال موضع خلاف. فبينما تتحدث مصادر وتقارير عن انسحابات وتراجع سريع للقوات المناوئة للحوثيين، ذهب كتاب وباحثون يمنيون وسعوديون إلى أبعد من ذلك، وطرحوا تساؤلات بشأن احتمال ارتباط ما جرى بتحولات أوسع في العلاقات بين الإمارات وإيران.

من المخا إلى باب المندب.. تحول يتجاوز حدود اليمن

لم تعد أهمية التطورات الأخيرة مرتبطة بمدينة المخا وحدها. فالمدينة تشكل نقطة ارتكاز على الطريق الساحلي الممتد بين الحديدة وباب المندب، كما أن ميناءها وموقعها يمنحانها أهمية لوجستية وعسكرية كبيرة. وقد نقلت تقارير عن مصادر حكومية يمنية تأكيدها سيطرة الحوثيين على المدينة ومينائها عقب تقدمهم من حيس وانسحاب القوات المناوئة لهم باتجاه الساحل.

وتضاعفت خطورة التحول بعد امتداد السيطرة الحوثية إلى مناطق باب المندب، حيث أفادت وكالة الصحافة الفرنسية في 11 سبتمبر بأن الحوثيين استكملوا سيطرتهم على منطقة المضيق والساحل الغربي، ما أثار مخاوف بشأن حركة الملاحة في هذا الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وهكذا انتقلت المواجهة من صراع داخلي على مدن ومناطق يمنية إلى معادلة تمس مباشرة أمن البحر الأحمر وقناة السويس وإمدادات الطاقة السعودية وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

هل كان سقوط المخا مجرد انكسار عسكري؟

سرعة التطورات فتحت باباً واسعاً للتساؤلات بشأن ما حدث داخل التشكيلات العسكرية التي كانت تسيطر على الساحل الغربي، خصوصاً القوات المرتبطة بعضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح.

وتذهب بعض القراءات إلى أن ما حدث يمكن تفسيره بعوامل عسكرية وعملياتية، من بينها انهيار بعض خطوط الدفاع والانسحابات المتسارعة والخلل في التنسيق بين التشكيلات المختلفة. وفي المقابل، يرى كتاب ومحللون أن سرعة انتقال مناطق استراتيجية إلى سيطرة الحوثيين تحتاج إلى تحقيق أوسع يتجاوز التفسير العسكري المباشر.

ومن بين أبرز هذه الأصوات الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي، الذي شبّه ما حدث في المخا بسقوط صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وكتب أن المخا، من وجهة نظره، سُلّمت للحوثيين «بدون قتال»، معتبراً أن التطورات قد تستهدف تطويق وتهديد السعودية ومصر. وهذه قراءة سياسية للعقيلي وليست حقيقة مثبتة بتحقيق مستقل.

وكان العقيلي قد حذر، حتى قبل سقوط المخا، من أن اقتراب الحوثيين من باب المندب قد يمنح إيران قدرة مستدامة على التأثير في أمن الممر البحري والاقتصاد العالمي، وليس مجرد إمكانية تعطيله بصورة مؤقتة.

التقارب الإماراتي–الإيراني يدخل دائرة الجدل

بالتوازي مع التطورات العسكرية، برزت قراءة أخرى تربط بين ما حدث على الأرض ومسار العلاقات بين أبوظبي وطهران.

ويرى أصحاب هذه القراءة أن تزامن التحولات العسكرية مع تحسن الاتصالات السياسية والأمنية بين الإمارات وإيران يستحق التوقف عنده، خصوصاً بالنظر إلى الدور الإماراتي السابق في بناء ودعم تشكيلات عسكرية على الساحل الغربي.

عاتق جار الله: مقايضة إقليمية غير معلنة

في هذا السياق، يقدم الباحث في شؤون اليمن والخليج عاتق جار الله قراءة أكثر حدة للتطورات، إذ يعتبر أن التفاهمات الإماراتية–الإيرانية الأخيرة تعكس، بحسب تحليله، مقايضة إقليمية غير معلنة.

وقال جار الله لمنصة «الهدهد» إن أبوظبي، وفق تقديره، تنازلت عن نفوذها الثانوي في الساحل الغربي لصالح طهران والجماعة الحوثية مقابل ضمانات مرتبطة بأمن الإمارات في حال تجدد المواجهة الإيرانية–الأمريكية.

ويربط جار الله بين هذه القراءة وبين الوضع الذي ساد الساحل الغربي خلال السنوات الماضية، معتبراً أن بقاء تشكيلات عسكرية متعددة خارج بنية موحدة لوزارة الدفاع خلق بيئة هشة عسكرياً وأمنياً.

ووصف ما حدث بأنه تجاوز حدود «الانكسار العسكري» إلى ما يعتقد أنه عملية «استلام وتسليم»، مستنداً إلى سرعة الانسحاب وسقوط المواقع.

ماذا بعد سقوط الساحل؟

بعيداً عن الجدل بشأن المسؤولية، ثمة حقيقة ميدانية أكثر وضوحاً: ميزان القوة على الساحل الغربي تغير بصورة كبيرة.

فالسيطرة على المخا ثم التقدم إلى باب المندب منحت الحوثيين نفوذاً على مساحة استراتيجية لم تكن تحت سيطرتهم خلال السنوات الماضية. وتشير التقارير إلى أن أهمية المخا تتجاوز الميناء نفسه، كونها عقدة اتصال بين غرب تعز والساحل ونقطة ارتكاز باتجاه المضيق.

كما أن وجود الحوثيين عند باب المندب يرفع مستوى المخاطر المحتملة على حركة السفن، خصوصاً في ظل خبرة الجماعة السابقة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل البحرية ضد أهداف في البحر الأحمر.

وهذا البعد هو الذي يحول التطورات اليمنية إلى قضية تتجاوز حسابات الأطراف المحلية.

السعودية أمام معادلة أمنية جديدة

بالنسبة للسعودية، فإن التطورات تضع أمن جنوب البحر الأحمر في صدارة الحسابات العسكرية والسياسية.

فباب المندب يمثل منفذاً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، كما ازدادت حساسيته الاستراتيجية بالنسبة للرياض في ظل الاضطرابات التي شهدتها طرق تصدير الطاقة في المنطقة. وأشارت تقارير حديثة إلى أن التطورات دفعت إلى تحركات وتنسيق دولي عاجل بشأن الوضع حول المضيق.

ويرى المحلل السياسي ياسين التميمي أن الرياض تمتلك خيارات واسعة للتعامل مع الواقع الجديد، وفي مقدمتها تعزيز قدرات القوات الحكومية اليمنية وتوفير الموارد العسكرية والمالية اللازمة لها.

وبحسب التميمي، فإن إعادة بناء المعادلة العسكرية تتطلب توحيد التشكيلات المسلحة تحت قيادة الدولة، وإنهاء تعدد مراكز القرار، بالتوازي مع استمرار الضغط الجوي على مواقع وتحركات الحوثيين.

كما يدعو إلى توظيف نفوذ المملكة وتحالفاتها الدولية في حماية أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، معتبراً أن التهديد الذي يطال باب المندب لم يعد شأناً يمنياً أو سعودياً فقط، وإنما قضية مرتبطة بالاقتصاد العالمي.

مصر وقناة السويس في قلب التداعيات

ولا تقف انعكاسات التطورات عند السعودية، إذ تمثل مصر طرفاً معنياً بصورة مباشرة بما يجري في باب المندب.

فالمضيق هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وبالتالي فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبره ينعكس على حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس.

ولهذا فإن وجود قوة مسلحة قادرة على تهديد السفن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يضيف بعداً مصرياً مباشراً إلى الأزمة، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بالتحولات العسكرية الأخيرة.

المقاومة التهامية وخيار إعادة بناء الساحل

في رؤيته للمرحلة المقبلة، يدعو عاتق جار الله إلى منح المقاومة التهامية دوراً أكبر في أي عملية لاستعادة الساحل، باعتبار أن أبناء المنطقة يمتلكون مصلحة مباشرة في استعادة مدنهم ومناطقهم.

كما يدعو إلى إعادة بناء العمليات العسكرية على أساس قيادة موحدة وقطع خطوط إمداد الحوثيين، مع فتح جبهات متزامنة تمنع الجماعة من تركيز قواتها في محور واحد.

وتندرج هذه المقترحات ضمن رؤية جار الله العسكرية والسياسية، وليست بالضرورة خطة رسمية معلنة من الحكومة اليمنية أو التحالف.

سؤال المسؤولية لم يُحسم بعد

تبقى واحدة من أهم القضايا التي أثارتها معركة الساحل هي: كيف تمكن الحوثيون من تحقيق هذا التقدم بهذه السرعة؟

فالمعلومات المنشورة تؤكد حدوث انسحابات وتقدم حوثي سريع، لكنها لا تحسم حتى الآن بصورة مستقلة الأسباب الكاملة وراء انهيار خطوط الدفاع أو المسؤولية المباشرة عنه.

ومن هنا فإن الحديث عن «خيانة» أو «صفقة» أو «تسليم متعمد» يحتاج إلى تحقيقات ووثائق وأدلة تتجاوز المواقف السياسية والتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن غياب دليل على وجود صفقة لا يلغي مشروعية التساؤلات بشأن القرارات العسكرية التي سبقت الانسحاب، ومن أصدرها، ومدى وجود قيادة عمليات موحدة، وما إذا كانت هناك اختراقات أو أخطاء في منظومة القيادة والسيطرة.

باب المندب يعيد رسم الحسابات الإقليمية

في المحصلة، لم يعد ما جرى في المخا والساحل الغربي مجرد جولة جديدة من الحرب اليمنية.

فانتقال الحوثيين إلى مواقع استراتيجية حول باب المندب أعاد تشكيل معادلة الأمن في جنوب البحر الأحمر، ووضع الحكومة اليمنية والسعودية ومصر وشركاء دوليين أمام تحديات جديدة تتعلق بالملاحة والطاقة والتوازن العسكري في المنطقة.

وبين الروايتين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لليمنيين هو كيفية استعادة الدولة لقرارها العسكري، وتوحيد القوات المناهضة للحوثيين، ومنع تحول باب المندب والساحل الغربي إلى ورقة دائمة في صراع إقليمي تتجاوز تداعياته حدود اليمن.

اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا