اليمن ما بعد تصنيف الحوثيين تنظيماً إرهابيا
لم يبق سوى يومين فقط على دخول قرار وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الحوثيين تنظيما إرهابيا دوليا حيز التنفيذ، ليتحول إلى واحد من أكثر القرارات الأمريكية عدالة، لكونه استند إلى أسباب موضوعية كافية وأدلة قوية أكدت تورط مليشيا الحوثي المدعومة من إيران في أشكال متعددة من الإرهاب الداخلي والعابر للحدود، دون أن ينفي هذا التحول المتأخر في الموقف الأمريكي مسؤولية واشنطن عن التمكين لهذه المليشيا وإيصالها إلى ما وصلت إليه من تأثير خطير ومدمر على الساحة اليمنية.

أحدثت الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها الكثير من الجلبة حول القرار الأمريكي، وأثبتت مرة أخرى أنها ما تزال مصرّة على القيام بذات الدور المساند بشكل واضح وصريح لمليشيا الحوثي الإجرامية، وهي تواصل خوض المعارك والقتل اليومي عبر الصواريخ والطيران المسير والقنص والألغام، وتحصد العشرات من المدنيين الأبرياء، ولا تتردد عن اقتحام القرى وهدم المنازل والتنكيل بالأهالي كما فعلت في عزلة الحيمة، إلى الشمال الشرقي من مدينة تعز.

يمكن ببساطة توضيح الدور المساند الذي تقوم به الأمم المتحدة، فهي اختارت البقاء في مقراتها الرئيسية بالعاصمة صنعاء التي تخضع للحوثيين، وهذا يسقط تلقائيا حياديتها وشمولية مهامها وفعالية هذه المهام في كامل الأرض اليمنية.

تحتاج الوكالات الأممية لتبقى في صنعاء إلى التعامل مع السلطة غير الشرعية هناك، على أنها سلطة أمر واقع تنبغي شرعنتها، فهي على سبيل المثال تحصل على تأشيرة دخول موظفيها إلى اليمن من هذه المليشيا، وتقدم أوراق اعتمادها للهياكل والمناصب غير الشرعية التي أقامتها المليشيا في صنعاء.

وإلى جانب ذلك، تقوم الوكالات الأممية بِسَدِّ كُلّ نقص يتعلق بإدارة الاقتصاد اليومي للناس عبر المساعدات التي يتعاظم تأثيرها المباشر في قدرة الحوثيين على استمرار خوض حربهم ضد الشعب اليمني، فيما لا يحصل المواطنون الذين يعيشون تحت سيطرتهم إلا على الحد الأدنى من المساعدات، بل إن هذه المساعدات كانت تذهب تحت أنظار الأمم المتحدة إلى غير مستحقيها وتغذي الاقتصاد الموازي للحوثيين.

ليس من حق الأمم المتحدة أن تستمر في تعزيز سلطة الأمر الواقع للحوثيين في صنعاء من خلال الاستمرار في التحذيرات التي باتت ممجوجة حول "أخطر كارثة إنسانية في القرن العشرين" وأكبر مجاعة خلال 40 عاما الماضية، إلى غير ذلك من العبارات التي توزع كأيقونات لفظية لتسويغ بقاء الحال على ما هو عليه، والذي تحول بالفعل إلى تجارة مربحة للمنظمات الدولية وهي تستأثر بمئات الملايين كنفقات تشغيلية، مما يقدم من دعم لليمنيين عبر مؤتمرات الاستجابة التي تنظمها الأمم المتحدة ودول إقليمية أو أوروبية.

نحتاج إلى مواجهة الدور غير المنصف للأمم المتحدة في اليمن، ونؤكد على خطورة التمكين الممنهج للحوثيين والذي يأخذ أبعاده السياسية والعسكرية بشكل واضح، فيما تبقى الأمم المتحدة وأطقمها المستفيدة من عائدات العمل في بيئة خطرة، تسخّر جهدها للحوثيين وتمنحهم المزيد من الفرص للتفرغ للحرب، بدلا من تحمل المسؤولية المباشرة عن المأساة الإنسانية التي هي كفيلة لوحدها بجعل مهمتهم أكثر صعوبة وحربهم موعودة بالهزيمة.

ما من شك أن القرار الأمريكي الذي يُدرك الجميع تأثيره الخطير على مستقبل المليشيا، يجب ألّا يكون بديلا عن تحرك وطني فاعل يؤازر الحكومة أو يكون على استعداد تام للقيام بدورها ضمن معركة وطنية تقتضي الضرورة خوضها بكل الإمكانيات من أجل استعادة الدولة اليمنية، إذا تبين أن هذه الحكومة والسلطة الشرعية ستمضي كما عهدناها خلال السنوات الخمس وأكثر من زمن الحرب إلى المزيد من التفريط بالصلاحيات والإمكانيات وبالكرامة الوطنية.

أقول ذلك لأن الأطراف الدولية والإقليمية والتنظيمات الإرهابية الانقلابية والمتمردة المرتبطة بأجندات إقليمية تتحرك في الفراغ الذي تركته السلطة الشرعية نتيجة التضعضع الواضح في أداء قيادات هذه السلطة. لذا فإن الأمر يقتضي اليوم وأكثر من أي وقت مضى، العمل من أجل ترسيخ الدور الميداني للقوى الضامنة لصمود المشروع الوطني، وتعظيم أثره السياسي في تقرير مصير البلاد.

الأمر هنا ينصرف بالتأكيد وبشكل مباشر إلى ما تقوم به تشكيلات المقاومة الوطنية والجيش الوطني، التي تعمل ضمن الأجندة الوطنية وتحت مظلة السلطة الشرعية ولم تعلن بعد اصطدامها بهذه الشرعية، حيث ينبغي أن يتأسس هذا الدور على أرضية صلبة من الشراكة والمرونة في التصرف والتعامل اليومي مع التحديات العسكرية الميدانية، وبناء الاستعدادات لدى منتسبي المقاومة والجيش الوطني للتعامل الحاسم مع مهددات الدولة اليمنية الداخلية والخارجية في معزل عن الأجندات والترتيبات التي تفرض المتدخلين الخارجيين، خصوصا بعد أن تبين أن هذه الأجندات تخصم من كيان الدولة اليمنية وكرامتها أكثر مما تمنحها فرصة للبقاء.

هذا يعني أن الحراك السياسي الذي يتناثر في شكل جزر معزولة ومتناثرة ومتضادة أحيانا، لا يمكن له أن ينتج مشروعا سياسيا وطنيا مؤثرا يتعامل مع تحديات معقدة وتحتاج إلى تعامل ميداني كالحرب على سبيل المثال.

إن أكثر ما يؤخذ على هذا الحراك الذي يجري في ساحات خارجية في الغالب، أنه يفتقد إلى القدرة على الحشد على أرضية واسعة من الوطن، ويستمر في التعامل مع الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد على أنه جزء من تركة تستوجب أكثر ما تستوجب تكريس الامتياز السياسي لشخصيات خرجت من المشهد العام بشكل غير لائق، بعد أن فشلت في اقتناص الفرص العديدة المهمة التي أتيحت، فكانت النتيجة أن خرجت من المشهد اليمني متبوعة بقدر كبير من السخط العام.

نقلا "عربي21"

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية