معارك مأرب بنكهة الثورة المضادة

منذ أكثر من أحد عشر يوماً لم يتوقف الحوثيون عن مهاجمة محافظة مأرب من شمالها وغربها وجنوبها، دون أي ضغط عسكري من جانب التحالف، ولا حتى من جانب السلطة الشرعية الملحقة به..

وهدف هؤلاء المقاتلين المليشياويين الوصول إلى المدينة الأكثر ازدهاراً في اليمن، ومعه يخططون للاستحواذ على منابع النفط والغاز ومعمل تكرير المشتقات النفطية ومحطة توليد كبيرة للطاقة تعمل بالغاز.

يريدون بكل وضوح وصراحة استكمال مقومات الدولة التي تحاك بآلة إيرانية خالصة، لتكون الخندق الأكثر تحصيناً في المواجهة القادمة بين إيران والسعودية، ضمن سياقات عقائدية وجيواستراتيجية، مدفوعين بالتحولات الخطيرة في مسار الشراكة الاستراتيجية العتيدة بين المملكة والولايات المتحدة لغير صالح الرياض بالتأكيد.

أما الإمارات التي جندت إعلامها ومرتزقتها في اليمن وفي غير اليمن، للتحريض على مأرب ووصفها بأنها معقل آخر للإصلاح، فإن السيطرة على مأرب - لا سمح الله - ستفسح المجال لإعادة إحياء مشروع الانفصال، وهو المكافأة التي لطالما انتظرتها أبو ظبي لكي تحصل على الهدية الكبرى، وهي فرض النفوذ المريح على المناطق الحيوية في جنوب البلاد، وربما اقتطاعها كما تخطط أن تفعل في محافظة أرخبيل سقطرى.

ورغم الدلالات النهائية للضغط العسكري الحوثي على مأرب، إلا أن السعودية لا تزال تعمل وفق معايير الانغماس العسكري الإماراتي في حرب اليمن، والتي وضعت الإخوان المسلمين على رأس أولويات هذا التدخل بصفتهم أعداء تسمح مسوغات مواجهتهم الاستعانة بالحوثيين وتمكينهم، وهو أمر لا يزال يجري حتى اليوم رغم الضربات التي يوجهها الطيران السعودي للمسلحين الحوثيين خلال معارك مأرب هذه الأيام.

لا يمكن وصف ما يجري في مأرب إلا بأنه استنزاف لطرفي الحرب، بعد أن كان ثوار 11 شباط/ فبراير وأحزابهم قد حاولوا تجنبه عام 2014 في صنعاء.

والأخطر أن هذا الاستنزاف ينفتح على نتائج كارثية؛ أسوأها إمكانية دخول الحوثيين مدينة مأرب إن استطاعوا. ومع ذلك لا ينفك الإعلام السعودي يتحدث عن طبيعة المواجهة في اليمن بوصفها ردعا لإيران وللمد الإيراني، حتى أن مهاجمة إيران باتت المجال الوحيد المسموح به للسياسيين في الحكومة الشرعية، ضمن توجه مقصود يهدف إلى تضييع الاستحقاقات الحقيقية والجوهرية للحرب، وهي استعادة الدولة وتمكين اليمنيين من إعادة بناء دولتهم الاتحادية ونظامهم الديمقراطي التعددي.

وحَّدتْ معركةُ مأرب اليمنيين مجدداً، لكن هذه الوحدة لم تترجم إلى زخم عسكري ميداني حاسم في محيط مأرب، والسبب يعود إلى أن التحالف الذي يزعم أنه يدعم الشرعية عمل ما بوسعه طيلة السنوات الماضية، حتى لا تحتفظ الشرعية بأية إمكانية حاسمة لردع الانقلابيين وعدوانهم الذي لم يتوقف.

لقد سكب اليمنيون دماء كثيرة خلال السنوات الخمس الماضية من زمن الحرب، حتى وصلوا إلى مشارف صنعاء، لكن التحالف لم يكن يرى في تلك الحرب والتقدمات العسكرية سوى مجال لحصد أكبر عدد من القوة المقاتلة التي يعتقد أنها جزء من تنظيم الإصلاح.

واليوم يمنع الجيش من المدد والمرتبات، ومع ذلك، ورغم شراسة المعارك، يجد هذا الجيش والمقاومة القبلية التي تدعمه صعوبة في الحصول على الآليات المدرعة. ولكأن السلطة الشرعية تمارس المستوى ذاته من التواطؤ الذي مارسته قبل سقوط صنعاء بسبب هذا الصمت المطبق والإحجام عن عمل شيء يسند الجيش في هذا الظرف الصعب.

ومع ذلك دعونا نتفاءل، لأن سكان مأرب وهم مئات الآلاف من اليمنيين الذي استقروا في المحافظة منذ ستة أعوام وأكثر؛ ليس لديهم استعداد لهدر كرامتهم من جديد. وإن حدث أن فقدوا مدينتهم التي آوتهم وصانت كرامتهم، فإن ذلك سيفضي إلى متغيرات جديدة كلياً، وهي أن الحرب التي سيخوضونها ستكون بدون قيود وكوابح إقليمية، وسيتصرفون على أساس أن جارهم الشمالي عدو أصيل ويتعين عليه أن يتشارك مع جاره الجنوبي النتائج المأساوية لهذه الحرب القذرة والملعونة بصورة أكبر مما يعاني فيها هذه الأيام.


نقلا عن عربي 21

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية