"الحرب والاحتطاب".. تحالف آخر يهدد المناخ والغطاء النباتي في اليمن

في جوٍ يكاد لا يخلو للحظة واحدة من أثار الدخان الناتج عن حرق الحطب، يقضي باسم غالب وأربعة عاملين في المخبز الذي يديره في العاصمة اليمنية صنعاء، أغلب ساعات يومهم، في ظروف اضطرارية تهدد صحتهم، لكن هذه الظروف في الواقع ليست سوى جزء من ظاهرة الاحتطاب التي تهدد ما تبقى من الغطاء النباتي في البلاد، حيث فاقمت الحرب وتبعاتها الاقتصادية وتردي الخدمات، الأزمات البيئية وتهديد التغير المناخي.

 

غالب (36 عاماً) أب لخمسة أبناء، هو واحد من أصحاب عدد كبير من المخابز، اضطرت في السنوات الأخيرة لشراء الخشب كوقود، على ضوء أزمات ارتفاع أسعار الديزل وغاز الطهي وعدم توفرها في الأسواق باستمرار.

 

ويضيف لـDW عربية، بأن ارتفاع تكاليف الدقيق والوقود فرض عليهم اللجوء إلى "الحطب" أو التوقف عن العمل، خصوصاً مع الوضع الاقتصادي الصعب للمواطن والذي لا يتحمل معه المزيد من ارتفاع أسعار الرغيف.

 

ولا تقتصر العودة إلى "الحطب" على المخابز، بل إن الكثير من الأسر لجأت إليه كبديل عن غاز الطهي في المنازل. وبسبب ذلك، شهد اليمنيون خلال السنوات الأخيرة انتشار أسواق للحطب، بما في ذلك العاصمة صنعاء، غير أن العاملين في المخابز، هم الأكثر عرضة لتأثيرات الغازات المنبعثة من احتراقه، فضلاً عن ارتفاع أسعاره لما يزيد عن الضعفين، بالمقارنة مع ما كان عليه، في بادئ الأمر قبل العام 2015.

 

القضاء على الغطاء النباتي

بعيداً عن المخابز والمنازل، تبرز الأثار الخطيرة لظاهرة الاحتطاب الجائر بتناقص الغطاء النباتي في البلد الذي يقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة مناخيا.

ويوفر الموقع الجغرافي ومعامل التنوع الطبوغرافي في أنواع الأنظمة البيئية، وفقاً لحديث مدير عام الإدارة العامة لصون الطبيعة بالهيئة العامة لحماية البيئة، الدكتور عبدالله الهندي لـDW عربية، تنوعاً حيوياً برياً وبحرياً، حيث تم تسجيل أكثر من 2880 من الأنواع النباتية منها 15 بالمائة من الأنواع المتوطنة.

ويمثل الغطاء النباتي مورداً اقتصادياً للسكان، حيث يساعد في تربية النحل وانتاج العسل، الذي يقول الهندي إنه "من أشهر أنواع العسل على مستوى العالم وخاصة العسل المنتج من نباتات السدر والسمر المنتشرة في أغلب المحافظات الجنوبية".

ويظهر التقرير الوطني السادس لاتفاقية التنوع البيولوجي الصادر عن هيئة حماية البيئة في اليمن للعام 2019، أن وضع الغابات في تدهور مستمر، حيث سُجل أكبر تدهور خلال الفترة من 1993 إلى 2009، بنسبة 60 بالمائة إلى 97 بالمائة، في المنطقة الوسطى والتي تشمل المرتفعات والوديان وفي مناطق المهرة البيئية، كما حدثت التدهورات الطبيعية في الجرف والجبال الغربية وكذلك في السهول الساحلية في حدود 38 بالمائة إلى 60 بالمائة.

ويكشف التقرير عن زيادة عدد الأسر التي تعتمد على الحطب كوقود من 6 بالمائة عام 2014 إلى 8 بالمائة في العام 2017، باستخدام مليون و335 ألف و744 طناً عام 2014 وارتفاعها إلى مليون و888 ألف و 232 طناً عام 2017.

 

عودة إلى الماضي

وفي حديثه لـDW عربية، يقول وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، توفيق الشرجبي، إن ظاهرة الاحتطاب الواسعة التي يقوم بها السكان من جَرَّاء استمرار أزمة الوقود وتفاقمها بالتوازي مع ارتفاع أسعار الغاز المنزلي بل انعدامه في أحيان كثيرة، تمثل تهديداً لـ"التنوع الحيوي والغطاء الأخضر في الكثير من مناطق الجمهورية بما فيها الغابات والمحميات الطبيعية وعلى وجه الخصوص غابات المنجروف وغيرها من النبتات المهددة بالانقراض".

ويبين الشرجبي أن استخدام الحطب عوضاً عن الغاز أو الكيروسين، ساعد في رواج تجارته وزيادة الطلب عليه بعد أن كان الريف اليمني قد اعتمد الغاز المنزلي بديلاً عن الحطب خلال العقود الماضية، بما أدى الى تعافي الغطاء الأخضر، لكن "الحرب المستعرة" من قبل من يصفهم بـ"الانقلابين الحوثيين أعاد الأمور إلى سابق عهدها". إلى جانب أن غياب فرص العمل وتوقف عجلة التنمية دفع بالبعض إلى امتهان الاحتطاب واقتطاع الأشجار والاتجار بالحطب، وهو ما يسبب الكثير من الآثار السيئة على البيئة والغطاء النباتي للبلاد.

 

تدهور البيئة كليا!

الغطاء النباتي ليس المتضرر الوحيد من ظاهرة الاحتطاب، في المشهد اليمني بل إنه وفقاً للرئيس الأسبق الهيئة العامة للبئية في اليمن، الدكتور عبدالقادر الخراز، مرتبط أساساً بكثير من التأثيرات التراكمية، ويضيف لـDW عربية أنه "عندما نتكلم عن الاحتطاب الجائر فنحن نتكلم عن تدهور البيئة بشكل عام"، من تدهور التربة وجعلها عرضة للتعرية الهوائية والمائية إلى التصحر وتدهور التنوع الحيوي.

ويتابع بأن "كل تلك العوامل تنسحب على انخفاض كمية المياه التي تغذي طبقة المياه الجوفية، وتزيد من معدل حدوث الفيضانات والسيول، وبالتالي تُخلف أضراراً كبيرة سواءً بشرية أو مادية وهذا ينعكس أيضاً على البنية التحتية"، على غرار ما حدث العام الجاري، بـ"إعصار شاهين"، الذي ضرب سلطنة عمان وأثر على مناطق في اليمن، من خلال حدوث فيضانات وأمطار وسيول أدت إلى أضرار كبيرة.

 

أزمات الخدمات والبنية التحتية

مثلما تدفع البيئة اليمنية ثمناً قاسياً في الحرب من خلال الاحتطاب الجائر، لا يمثل الأخير سوى إحدى الظواهر التي فاقمتها الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من سبع سنوات. إذ أن انقطاع الخدمات أو تراجعها إلى حد كبير، إلى جانب ما تعرضت له البنية التحتية من أضرار عطلت منشآت حيوية، يتعدى أثره بدرجة أو أخرى اليابسة إلى البيئة البحرية.

في عدن، تسكن حُسن وهي أم لأربعة أطفال وموظفة حكومية قرب مدينة إنماء السكنية، تشكو من تلوث المنطقة بسبب أزمات الصرف الصحي، والتي تصب في مساحات قريبة من بعض الأحياء، مثلما يتم تصريفها في مناطق أخرى بالمدينة ذاتها، إلى البحر.

وتضيف حُسن في حديثها لـDW عربية أن أزمات الصرف الصحي، الناتجة أساساً عن تعطل أنابيب تصريف وأضرار متفاوتة في البنية التحتية، تجعل المنطقة التي يقع فيها مسكنها، كما هو حال تجمعات أخرى في المدينة، "غير صالحة للعيش"، حيث أنه "لا يمكنك فتح النوافذ في ظل حرارة مرتفعة، بسبب البعوض والذباب".

وبينما تدعم ألمانيا مشاريع إعادة تأهيل خطوط الضخ ومحطات الصرف الصحي في المدينة، والتي تدهورت في السنوات الأخيرة، تنطلق التحذيرات من خطورة التصريف إلى البحر، بوصفه تهديداً للحياة البحرية.

ويقول وزير المياه والبيئة الشرجبي لـDW عربية، إن عدن كما العديد من المدن الساحلية اليمنية، تأتي في صدارة المدن المهددة بالتغير المناخي، بناءً على تقارير الهيئات الحكومية الدولية المعنية بالتغيرات المناخية، والتي تشير إلى أن معدلات ارتفاع درجات الحرارة ستكون في ارتفاع على المستوى العالمي خلال العقود القادمة.

ويتابع أن الدراسات أشارت إلى أن مناطق ومدنا ساحلية كثيرة مهددة بالغرق في اليمن مثل بعض المناطق المنخفضة، في مدينتي عدن والحديدة والسواحل الممتدة والجزر، وهو ما يتطلب وفقاً للوزير اليمني "العمل على اتباع سياسات تكيف حازمة والوضع في الحسبان عند رسم مخططات استخدامات الأراضي والتخطيط الاستراتيجي للمدن والمناطق الساحلية واتباع استراتيجية الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية".

الجدير بالذكر، أن اليمن وبالإضافة إلى الأضرار الناتجة عن تدخلات الإنسان وآثار الحرب في البيئة، شهد في السنوات الأخيرة أعاصير وفيضانات لم تقتصر أضرارها على البنية التحتية، بل شملت مناطق مدرجة على قائمة التراث العالمي، أبرزها أرخبيل سقطرى.

ويقول الشرجبي إن "الكوارث الطبيعية والفيضانات والتقلبات الجوية الحادة المتواترة التي ضربت البلاد خلال السنوات الأخيرة، تجعلنا أمام تحدٍ كبيرٍ يستدعي اهتمامنا والعمل على مواجهتها والتقليل من أثارها".

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية