هل آن أوان التوقف عن القتال في اليمن؟

وصل الشعب اليمني إلى حالة حرجة من الإنهاك ومطالب العامة وأولوياتهم تختلف عن أولويات بعض قادة الفئات المتناحرة.

أكثر مطالب الناس لم تكن مطالب عسكرية بالإجهاز على الفريق الخصم، بل تركزت على توفير الحياة الكريمة الآمنة!

يقال أن عليك أن تنتظر أحياناً في الصراعات حتى يصل الطرفان لذروة الإنهاك والتعب لتطرح عليهما التوقف عن القتال وتقطف ثمار السلام.

الصراع في اليمن طال أمده وأكل الأخضر واليابس، واستنزف الموارد وأغرق البلاد وجوارها في دوامة العنف، وفاقم من انتشار العنصرية والطائفية.

* * *

قد يبدو الحديث عن السلام وإنهاء النزاع بين الفئات المتخاصمة، هزيمةً أو خطاباً مهزوزاً، خاصة إذا تضمن النزاع إرثاً من الثأر والدم والقتل، وعادة ما يتلقى دعاة السلام في هذه الحال الضربات من كافة الجهات المتنازعة، لا سيما من أولئك الذين عانوا من آثار النزاع وما زالت نار الثأر تضطرم في نفوسهم.

يبدو الصراع في اليمن مثالاً واضحاً لذلك؛ فقد طال أمده وأكل الأخضر واليابس، واستنزف الموارد وأغرق البلد في دوامة من العنف، وفاقم من انتشار العنصرية والطائفية، وانعكست آثاره على الدول المجاورة، ومن ذلك تبديد الأموال التي تضخ الى أطراف الصراع، سواءً للحوثيين، أو للسلطة الشرعية، إلى جانب الصورة الذهنية السلبية والانطباع السيء الذي تشكل لدى دول العالم حول هذا الصراع، لا سيما وأنها في غالبيتها لا تفهم الفروقات والخلافات العقائدية والفكرية التاريخية بين هذه الفئات المتقاتلة.

وهنا، يحسن النظر الى نتائج استطلاع المؤشر اليمني، الذي نفذه مركز "استطلاع" ومركز المخا وأجري ما بين 28 آب / أغســطس و 5 تشــرين الأول/ أكتوبـر 2021، لـ500 فـرد ممـن أعمارهـم 18عامـاً فمـا فـوق، من القاطنين في 9 محافظات خاضعة للشرعية.

فعند سؤالهم عن أهم مشكلة تواجهها اليمن في الوقت الحالي، قال 28% أنها الحرب والنزاع المسلح، 20% ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، 16% الوضع الاقتصادي المتدهور، 11% غياب الأمن والأمان، وهكذا فإن أكثر مطالب الناس لم تكن مطالب عسكرية بالإجهاز على الفريق الخصم، وإنما تركزت على توفير الحياة الكريمة الآمنة!

وهذا يدل على أن الشعب اليمني قد وصل الى حالة حرجة من الإنهاك، وأن مطالب العامة وأولوياتهم تختلف عن أولويات بعض قادة الفئات المتناحرة.

وهو الأمر الذي يستحق التأمل والتفكير فيه بمقاربة جريئة بعيداً عن الخوف من الاتهام بالتهاون والضعف والخذلان وكذلك العنصرية والطائفية وغرور القوة والرغبة في الهيمنة والاستحواذ والتوسع.

ربما تكون الأحداث الأخيرة خلال الشهرين الماضيين تعبيراً عن ضيق الأطراف الإقليمية والدولية والمحلية اليمنية باستمرار الحرب، حيث كانت دعوة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الى وقف القتال وعقد مفاوضات بين فرقاء الحرب اليمنيين، التي تبعها وقف العمليات العسكرية من طرف التحالف العربي، وانعقاد المفاوضات في الرياض بحضور أطراف إقليمية ودولية، مع غياب الحوثيين، والتي أسفرت عن الدخول في مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم إعلان هدنة لمدة شهرين بدءاً من 2 أبريل الماضي.

يحسن بجميع الأطراف أن تغتنم هذه اللحظة لذلك لأنها ربما تكون أفضل من غيرها من الأوقات، وعادة ما يقال أن عليك أن تنتظر أحياناً في الصراعات إلى أن يصل الطرفان الى ذروة الإنهاك والتعب حتى تطرح عليهما التوقف عن القتال وتقطف ثمار السلام بسهولة.

وهذا اقرب ما يكون إلى حال اثنين يتشاجران، فإنك قد لا تنجح في الفصل بينهما إذا تدخلت في بداية الشجار، ولكنك قد تفلح عند شعورهما بالتعب، بعد أن يضرب كل منهما الأخر ضرباً مبرحاً، ورغبتهما في تدخل المنقذ الذي يحفظ له ماء وجهه، وهنا يتهيأ المناخ لتدخل الوسيط الذي يدعو إلى السلام لإنهاء هذه المعاناة وحقن الدماء.

 

* د. سامر أبورمان كاتب وباحث في الإعلام والاتصال

المصدر | السبيل

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية