أحمد بن حنبل.. شيخ وقلم في مواجهة طغيان الفكر واستبداد السلطان

لا يعرف بين علماء الإسلام رجل أكثر صبرا على الأذى ومواجهة طغيان الفكر وصنمية السلاطين، ولا أكثر رسوخا في ذاكرة التاريخ، ولا أعمق رمزية من الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، فقد وقف في وجه التحالف القوي الذي أقامته المعتزلة مع ملوك بني العباس، وانتهى إلى استبداد فكري لا نظير له فيما عرف بعد ذلك بمحنة خلق القرآن، ليصنع بذلك واحدة من أهم معارك الفكر الإسلامي، وأقوى المواجهات بين المداد والعتاد.

ولقد كان سر تميز الإمام أحمد بن حنبل أنه كان الصامد الوحيد تحت سياط الطغيان المعتزلي المسور بحماية الخليفة المأمون بن هارون الرشيد.

 

والواقع أن أزمة خلق القرآن لم تكن حدثا عابرا في تاريخ المسلمين، بل اعتبرها مؤرخون كثر أصعب أزمة فكرية ودينية للمسلمين في القرون الأولى، بعد فتنة الردة التي انتشرت بعد وفاة النبي الكريم ، ولذلك جعل بعضهم دور الإمام أحمد بن حنبل ومنزلته في الدفاع عن أصول الإسلام ومرتكزاته الروحية مثل دور خليفة المسلمين أبي بكر الصديق في التصدي للردة.

 

فتى بني شيبان.. طفولة في عاصمة الحضارة الإسلامية

في بغداد أبصر أحمد بن حنبل أنوار الحياة المفعمة بأحلام التدافع والتشكيل الحضاري الجديد في عاصمة الخلافة التي تناغي أمواج الفرات كل صباح، وتصدح في آفاقها مآذن المساجد والزوايا العتيقة، وتنام بين أسرة الشعراء وترانيم المغنين، ولا يتوقف عن الهدير فيها صوت المعامل والنواعير، كما لا يُبح فيها صوت الشاعر الشادي والإمام المدرس والصوفي الملتهب بأشواق الملأ الأعلى، والجواري اللواعب السكارى بخمر الحياة.

كانت بغداد يومها لوحة حياة باذخة متداخلة الألوان، متضاربة الأضواء، بل كانت صفحة براقة من "ظهر الإسلام". وفي تلك الظهيرة البراقة من تشكل الحضارة البغدادية، ولد أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي لبيت عراقي قح، ينتهي نسبه إلى معد بن عدنان، وقد كان ميلاده بعد أن مالت شمس النصف الأخير من القرن الثاني الهجري نحو المغيب، في أحد الأيام الباسمة من سنة 164 من الهجرة، الموافقة لعام 780 الميلادي.

 

نشأ ابن حنبل في بغداد.. حاضرة العلم والعلماء ومدينة العلوم التي يتوافد عليها طلبة العلم من شتى أرجاء الأرض

 

كان حنبل بن هلال أحد وجوه بني ذهل بن شيبان وقادتهم وأصحاب الرأي فيهم، وكان واليا لبني أمية على خراسان، لكنه اختار الانحياز إلى بني العباس في مستهل ثورتهم التي أطاحت بحكم المروانيين الأمويين.

أما ابنه محمد بن حنبل فقد واصل المسيرة العسكرية، وكان أحد القادة في جيوش بني العباس، غير أن سهم المنون اخترقه حين كان ابنه أحمد في ميعة الطفولة غريرا كأغصان الدوحة الغناء.

وتظهر كتب التاريخ أن أسرة آل حنبل كانت من أعوان الدولة العباسية، وكان فيها أمراء وقادة ومقربون من السلطة، ويبدو أن الفتى أحمد بن حنبل كان ينفر من بعض تفاصيل تلك العلاقة مع السلطة القائمة، فنجده مرة وقد أرسله عمه بتقرير عن حال مدينة بغداد إلى واليها، فلم يكلف نفسه إيصال التقرير إلى وجهته، بل ألقى به في النهر، متورعا عن ذلك، حسب ما تفيد بعض الروايات التاريخية.

 

رحلة الحجاز.. تقليد راسخ لأولي التبحر في العلوم

عاش أحمد بن حنبل يتيما، فاختارت له أمه تربية إيمانية عميقة، وخطت له طريق الإمامة في الدين والريادة في معارف الوحي قرآنا وسنة، فأخذ في طلب العلم وهو لم يبلغ 15 عاما على شيوخ أهل الحديث مثل الإمام هشيم بن بشير الواسطي.

وبعد أن نهل من معارفه، وأحاط بما لدى شيوخ بغداد من علم الآثار النبوية، بدأ الرحلة في طلب العلم خارج بغداد، وهو تقليد علمي دأب عليه علماء المسلمين منذ القدم إلى اليوم.

وقد شملت رحلة ابن حنبل الحجاز وتهامة واليمن والبصرة والكوفة، ونهل من معارف العلماء الأجلاء الذين أدرك بعضهم الأجيال المتأخرة من كبار التابعين وربما من الصحابة أيضا، وكان ممن أخذ عنهم عبد الرحمن بن مهدي، وعمير بن عبد الله بن خالد، والقاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وسفيان بن عيينة، والشافعي وغيرهم من جهابذة العلماء.

كان لأحمد بن حنبل درسان فقهيان، أحدهما للعامة في المسجد، والآخر لأهل بيته وخاصة تلاميذه

وقد كانت رحلته إلى صنعاء للقاء الشيخ عبد الرزاق بن همام رفقة يحيى بن معين عنوانا بارزا من عناوين الصبر والمثابرة، وقصصا من أروع قصص الرحلات العلمية في تاريخ علماء المسلمين.

وقد تكررت رحلات ابن حنبل في تهامة والحجاز واليمن، وفي بعض الأحيان كان ذلك بمعية رفيق دربه يحيى بن معين، وفي أحيان كثيرة كان يسير مسافات هائلة على قدميه دون مال ولا زاد غير العزيمة.

وفي الأربعين من عمره جلس للإفتاء وإملاء الحديث الشريف بجامع بغداد، وتوسعت حلقته العلمية وانتشر صيته، حتى قيل إن أكثر من 5 آلاف شخص كانوا يحضرون درسه، ويكتبون من إملائه، مشدوهين بتدفق علمه، ومشدودين إلى نورانيته وألقه الروحي وإبائه النفسي وسمته الرباني الرائق.

وفي أربعينيته أيضا تزوج أم ابنه صالح وهي العباسة بنت الفضل، وأقامت معه ثلاثين سنة في جو من الحب والصفاء والتكامل الأسري الوارف الظلال، حتى نقل عنه قوله: أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة، فما اختلفت وإياها في كلمة.

 

جبل الوقار.. مزيج من المهابة والتواضع في شيخ بغداد

كان للإمام أحمد بن حنبل فضاءان للتدريس، فكانت له حلقة في بيته لأولاده وخاصة تلاميذه، وكانت الأخرى في المسجد يحضر إليها العامة والتلاميذ، ويصطف فيها آلاف التلاميذ وآلاف الأقلام والمحابر.

وقد عرف عنه وقاره الشديد، فلم يكن له في المزاح حظ ولا له إليه سبيل، ولم يكن طلابه يجرؤون على ممازحة بعضهم في حضرته، بل كان شيوخه يهابون المزاح، إذ كان جبل وقار وتؤدة وهدوء نادر.

ومع حفظه النادر فقد كان حريصا على أن لا يحدّث إلا من كتاب، حرصا على الدقة في نقل الحديث، رغم أنه كان إمام بغداد حفظا وسيادة وريادة في علوم الشريعة، وينقل عنه ولده عبد الله قوله: ما رأيت أبي حدث من حفظه من غير كتاب إلا بأقل من مئة حديث.

وإلى جانب ما عرف عنه من وقار وهيبة، فقد كان أيضا آية في التواضع ونكران الذات، وكان حريصا على أن لا تدون آراؤه الفقهية وفتاواه واستنباطاته، وكان يغضب أشد الغضب إذا نقل إليه أن بعض تلاميذه دوّن آراءه في كتب الفقه والخلاف المذهبي السائد يومها.

 

فقه ابن حنبل.. أصول مذهب الإمام الرافض للتمذهب

يمكن اعتبار مذهب الإمام أحمد بن حنبل مذهب أهل الحديث، أو بعبارة أخرى المذهب الأقل استخداما للعقل والمقايسة، فقد كان أحمد رحمه الله حريصا على أن لا ينسب له مذهب أصلا، وحريصا على ربط تلاميذه بالأصلين (الكتاب والسنة) مباشرة، دون اللجوء إلى واسطة من فهم الفقهاء.

 

ومع ذلك فقد ارتفعت ترجيحات الإمام أحمد واستنباطات تلاميذه من بعده، لتكون مذهبا فقهيا ذا أتباع كثر ومؤلفات عريضة وأصول وثوابت وقواعد وتفريعات كثيرة. وقد قام المذهب الحنبلي على أصول أساسية منها:

 

       نصوص الوحي: وتلك أهم قاعدة بنى عليها الإمام أحمد بن حنبل مذهبه، فحيثما وجد نص من الكتاب والسنة لا يلتفت إلى ما خالفه، ولا إلى من خالفه، كائنا من كان.

 

       إجماع الصحابة: فلا يقدم الإمام رأيا ولا قياسا على إجماع الصحابة رضوان الله عنهم.

 

       رد خلاف الصحابة إلى الكتاب والسنة: فحين يختلف الصحابة في مسألة ما، فإنه ينتقي ويختار من أقوالهم ما يرى أنه الأقرب إلى السنة.

 

       الأخذ بالأثر المرسل وبالأحاديث الضعيفة، إذا لم تجد معارضا من الكتاب أو صحيح السنة وأقوال الصحابة رضوان الله عنهم.

 

       القياس: وهو الأصل الخامس من أصول الإمام أحمد، ولا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد الأصول الأربعة السابقة.

 

ولم يكن مذهب الإمام أحمد واسع الانتشار لأسباب متعددة، منها أنه آخر المذاهب نشأة، فلم يظهر ولم يتمدد حتى كانت المذاهب الثلاثة الأخرى قد أخذت نصيبها الوافر من الأتباع والانتشار، ويضاف إلى هذا أن مذهب الإمام أحمد ظل طوال قرون عدة محروما من ظل السلطان، ومن الحافز السياسي الذي كان له دور كبير في فرض المذاهب في أنحاء متعددة من بلاد المسلمين.

وقد ظل المذهب الحنبلي محصورا في العراق وجوانب قليلة من الشام، ثم دخل مصر على استحياء عبر البعثات والرحلات العلمية، وكان له حضور في جزيرة العرب، ولكنه زاد فيها انتشارا وتمددا مع قيام دعوة محمد بن عبد الوهاب.

 

محنة خلق القرآن.. رجل واحد في مواجهة دولة

أخذت محنة خلق القرآن جزءا كبيرا من شهرة وتاريخ الإمام أحمد بن حنبل، بل أخذت جزءا كبيرا من تاريخ الجدل والنقاش العقَدي في الإسلام. فقد وقف أحمد في مواجهة الدولة العباسية التي كان خليفتها المأمون يرى رأي المعتزلة في خلق القرآن، وهو رأي لم يرق للإمام أحمد بن حنبل، وأعلن رفضه بشكل مباشر أمام الخليفة وعلمائه من المعتزلة الذين يقودهم أحمد بن أبي دؤاد.

وقد زين ابن أبي دؤاد وجماعته للمأمون حمل الناس بالسيف على القول بخلق القرآن، ووزعوا رسالة أميرية إلى ولاة الأقاليم جاء فيها وفق ما تنقل كتب التراجم: اجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق في من قلده واستحفظه من رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع عن توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين، والإخلاص للتوحيد.

ولما تباينت الردود، أخذ المأمون الناس بالحزم، وبدأ الرعب يهز قلوب الفقهاء، فأجابوا المأمون إلى القول بخلق القرآن، ولم يبق منهم غير أربعة أصروا على موقفهم، قبل أن يتراجع منهم اثنان، ويبقى اثنان آخران هما أحمد بن حنبل والفقيه محمد بن نوح المضروب، فنقلا مكبلين في الأغلال إلى سجن في مدينة طرسوس، وفي الطريق قضى محمد بن نوح نحبه وغادر الدنيا قبل أن يواجه المأمون، ولم يطل الأمر حتى مات المأمون أيضا قبل أن يصل إليه أحمد بن حنبل، ليتولى كبر أزمة خلق القرآن خليفته من بعده المعتصم ثم الواثق، وفي عهدهما بلغت محنة أحمد أوجَها، ونال من السجن والعذاب الصنوف المؤلمة، ولكنه واجهها بعزم راس، وعقيدة راسخة، لم يُذبل نضارتها التخويف ولا البطش والسجن والإرهاب، ولا الإغراء والوعد والتزيين.

 

محنة الحجر.. حصار الخليفة يقيد علم الإمام وحريته

كانت وجبات التعذيب اليومية أيام المحنة مشكلة من صنوف متعددة، تتضمن الضرب بالسياط حتى يغمى على الإمام، والنخس بالسيف حتى تسيل دماؤه الطاهرة، قبل أن يفرج عنه ضعيف البنية خائر القوة شديد العزم، ليخضع بعد ذلك لإقامة جبرية في بيته عدة سنين.

ومع عهد الواثق بدأت محنة أخرى، لكنها أخف أثرا من سابقتها، فلم تصل حد التعذيب، لكنها كانت حصارا فكريا شديدا وتحجيرا على الإمام، فقد مُنع من محادثة الناس والصلاة بهم وإفتائهم، ليلزم بيته قرابة سنتين، قبل أن تنفرج الأزمة مع وصول المتوكل إلى الحكم، فوضع حدا لتلك الأزمة العصيبة، لتنتهي بذلك المحنة ويزول سلطان التعسف الفكري.

لم تطل إقامة الإمام بن حنبل في الدنيا بعد المحنة المؤلمة، فقد خرج منها منهك الجسم، ليقتص المرض ما بقي من قوته، وليغادر عالم الأحياء سنة 241 للهجرة عن قرابة 77 سنة كانت حافلة بالوقار والجلال وهيبة العلم وسلطان الصمود، وقد ترك خلفه مؤلفات كثيرة أشهرها كتاب "المسند" الذي يعتبر أحد أهم مجاميع الحديث الشريف.

وفي القلوب وفي شغاف الزمن ودواوين التاريخ وسير العظماء كان لابن حنبل مكان سامٍ في ذاكرة الأيام، وتاريخ الأفذاذ الذي عرفوا الله ولزموا ما عرفوا، وكان له الشأو العالي في الصراع الدائم بين المداد والعتاد، وبين الفكر والسلطان والسيف والقلم.

المصدر: الجزيرة نت

 

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية