شهر من الضربات الأميركية البريطانية باليمن والبحر الأحمر مغلق


بشكل شبه يومي، تعلن القيادة المركزية الأميركية، منذ 12 يناير/كانون الثاني الماضي، عن ضرب أهداف للحوثيين في اليمن، أو تصدّيها لهجمات تستهدف السفن في البحر الأحمر. في المقابل، يعلن الحوثيون عن هجماتهم المستمرة التي تستهدف السفن الإسرائيلية والأميركية والبريطانية.

ومرّ شهر على بدء الضربات الأميركية البريطانية على مواقع في اليمن. ففي 12 يناير الماضي، أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا بدء ضربات جوية تستهدف الحوثيين، وقالت في بيان مشترك مع 9 دول أخرى، إن "هدفنا يبقى متمثلاً في تهدئة التوتر واستعادة الاستقرار في البحر الأحمر".

ومنذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، يشن الحوثيون هجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها، مساندة للشعب الفلسطيني في غزة الذي يتعرض لحرب وحشية إسرائيلية منذ أربعة أشهر، ويطالب الحوثيون بإنهاء الحرب والحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.

وتوعّدت جماعة الحوثيين، مساء أول من أمس السبت، بتوسيع عملياتها ضد إسرائيل في حال تصعيد الاحتلال الحرب في مدينة رفح جنوب غزة، وفي غزة ككل، وذلك بحسب منشور لعضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين محمد علي الحوثي، نشره عبر منصة "إكس". وأكد الحوثي أن العمليات "مستمرة طالما استمرّ العدوان والحصار على غزة، حتى إيصال الغذاء والدواء والاحتياجات الإنسانية إلى كل أنحاء القطاع، ووقف الجرائم الرهيبة والشنيعة، وجرائم الإبادة الجماعية لسكان غزة".

ولم تتوقف وتيرة الهجمات الحوثية خلال الأسابيع الماضية في البحر الأحمر، بل تصاعدت بشكل لافت، ونجحت في تحقيق ضربات مباشرة، كما حدث مع السفينة النفطية البريطانية "مارلين لواندا"، في 26 يناير الماضي، حيث تصاعدت النيران فيها لساعات، بالإضافة إلى استمرار تنفيذ ضربات صاروخية تستهدف مدينة إيلات الإسرائيلية، آخرها في 2 فبراير/شباط الحالي.

في المقابل، تصاعدت حدة الضربات الأميركية البريطانية خلال الأيام الماضية على محافظتي الحديدة غرب اليمن، وصعدة شمالاً. وتقول القوات الأميركية إنها تستهدف صواريخ ومُسيّرات جاهزة للإطلاق، وقد أعلنت، الخميس الماضي، تنفيذ 7 ضربات ضد أربعة قوارب مفخخة مسيّرة تابعة للحوثيين، وسبعة صواريخ كروز متنقلة مضادة للسفن كانت مستعدة للانطلاق ضد السفن في البحر الأحمر.

 

عدد الغارات والمناطق المستهدفة

استهدفت الضربات الجوية الأميركية والبريطانية عدداً من المحافظات اليمنية: أمانة العاصمة، صنعاء، الحديدة، صعدة، تعز، حجة، ذمار، البيضاء، وتقع هذه المحافظات تحت سيطرة جماعة الحوثيين كلياً وجزئياً، وتقع في وسط وغرب وشمال البلاد، وهي ذات كثافة سكانية عالية وكلها محافظات جبلية وعرة، ما عدا مدينة الحديدة الساحلية.

ورصدت "العربي الجديد"، شنّ نحو 215 غارة جوية، منذ بدء الهجمات الأميركية البريطانية في 12 يناير، تركزت في الساحل الغربي اليمني والمناطق المحيطة به، المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي في اليمن.

وأعلنت جماعة الحوثيين في 5 فبراير الحالي، أن الولايات المتحدة وبريطانيا، استهدفتا اليمن بـ300 غارة منذ بدء هجماتهما على البلاد، بحسب نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها) حسين العزي، في مؤتمر صحافي بالعاصمة صنعاء.

غالبية المواقع التي تم استهدافها بالغارات الجوية، هي عبارة عن معسكرات ومقار معلنة ورسمية للقوات العسكرية اليمنية، قبل أن يسيطر عليها الحوثيون بعد 21 سبتمبر/أيلول 2014، وتم استهدافها من قبل التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن بشكل متكرر منذ 25 مارس/آذار 2015.

ففي الحديدة غرب اليمن، استهدفت الضربات بشكل متكرر منطقة الكثيب التي يقع فيها معسكر الدفاع الساحلي، بالإضافة إلى مناطق الصليف، ورأس عيسى، والجبانة التي يقع فيها معسكر للدفاع الجوي، ومنطقة الشبكة جنوب ميناء الصليف، وأيضاً محيط مطار الحديدة، بالإضافة إلى مواقع أخرى.

وتعدّ الحديدة، إحدى أهم المدن اليمنية الحيوية حيث يوجد فيها ثلاثة موانئ، الحديدة والصليف ورأس عيسى، على سواحل البحر الأحمر، وتقع ضمن امتداد ميناء المخاء، في الساحل الغربي اليمني، وقريبة من خطوط الملاحة الدولية، وتعد ثاني أكبر محافظة من حيث عدد السكان.

وبرزت الهجمات الجوية على مواقع في محافظة صعدة (أقصى الشمال)، واستهدفت معسكر كهلان شرقي مدينة صعدة، ومواقع أخرى في جبل الصمع ومنطقة طخية بمديرية مجز، ومنطقة القطينات بمديرية باقم. وصعدة هي محافظة جبلية وعرة، وهي معقل لجماعة الحوثيين وزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وأبرز قادتها.

واستهدفت غارات أخرى، قاعدة الديلمي الجوية، ومقار لمعسكرات في عطان والنهدين، معسكر الحفا، ومعسكر مديرية بني الحارث، ومنطقة صرف. وفي حجة، شمال غرب البلاد، استُهدفت مواقع في منطقة الجر، ومناطق مديرية عَبْس. وفي تعز (جنوب غرب) قصف مطار تعز واللواء 22 ميكا بمديرية التعزية، بالإضافة إلى مواقع بمديرية مقبنة، كما نُفذت غارات في البيضاء وذمار.

 

إيقاف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر

ويقول الحوثيون إن الضربات الأميركية البريطانية لم تؤثر على قوّتهم العسكرية التي طوروها خلال السنوات الماضية، وهم يتوعدون بأنه ما زال لديهم المزيد من الصواريخ البحرية المناسبة التي تستهدف السفن الإسرائيلية والأميركية والبريطانية في البحر الأحمر، ويؤكدون باستمرار أن هذه الهجمات لن تتوقف حتى يتم إيقاف الحرب وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة.

لم يعلن الحوثيون عن أي خسائر مادية بشكل مفصل من الغارات الجوية، سوى في اليوم الأول، حيث أدّى الهجوم الأميركي البريطاني على صنعاء ومحافظات يمنية عدة أخرى، إلى مقتل وإصابة 11 فرداً من القوات المسلحة، بحسب ما أعلن متحدث الحوثيين العسكري، يحيى سريع.

ورصدت "العربي الجديد"، تشييع 23 من مقاتلي جماعة الحوثي في العاصمة صنعاء، وفق أخبار نشرتها وكالة "سبأ"- النسخة الحوثية، والتي أفادت أول من أمس السبت، بأنه تمّ تشييع 17 ضابطاً من أفراد الحوثيين في صنعاء قُتلوا نتيجة القصف الأميركي البريطاني، ونشرت أسماءهم.

وشيّعت جماعة الحوثي في 14 يناير الماضي، بالعاصمة صنعاء، 6 عسكريين قالت إنهم "استشهدوا جراء غارات العدوان الأميركي البريطاني على اليمن"، وفق ما نقلت وكالة "سبأ" بنسختها التابعة للحوثيين.

وقال زعيم جماعة الحوثي، عبد الملك الحوثي، إن "الضربات الأميركية والبريطانية بلغت خلال الأسبوع الماضي 86 ضربة سواء من الجو أو البارجات، وليس لها أي تأثير على الإطلاق في الحد من قدراتنا، وإذا كان الأميركي يتحدث أنَّ لها تأثيرا، فهو حديث لمجرد التسلية". وأضاف في كلمة متلفزة الخميس الماضي: "ضرباتهم لا تحد من قدرات بلدنا، وضرباتنا مستمرة، وفعَّالة، ومؤثرة"، لافتاً إلى "أن الاستمرار في الضربات لن يفيد لا أميركا، ولا بريطانيا، ولا إسرائيل، وما يقومون به هو عدوان وانتهاك للسيادة".

وتابع الحوثي: "سنستمر في موقفنا بإطلاق الصواريخ البالستية والمجنّحة، والطائرات المسيّرة، وأنشطة التعبئة التي هي جزء أساسي من الاستعداد العسكري". وأشار إلى "أن حركة السفن المرتبطة بإسرائيل تكاد تكون منعدمة، وبالنسبة للسفن التي يملكونها، فإن حركتها توقفت نهائياً من باب المندب إلى البحر الأحمر". وقال زعيم الحوثيين: "بكل وضوح، عملياتنا واضحة ومحددة، تستهدف العدو الإسرائيلي، وعندما تورَّط الأميركي والبريطاني أصبحوا مستهدفين كذلك، ولا يوجد أي بلد آخر مستهدف".

ورأى الباحث اليمني عبد الغنى الإرياني، أن "الضربات الجوية لن توقف أنصار الله (الحوثيين) عن حظر السفن الإسرائيلية والأميركية والبريطانية في البحر الأحمر، وكل ما في الأمر ربما تخفف قليلاً من حدّة الضربات".

وأضاف الإرياني، في حديث لـ"العربي الجديد": "لن يتوقف أنصار الله عن استهداف السفن، حتى يتوقف حصار وحرب غزة والمجزرة التي يقوم بها الإسرائيليون هناك". واعتبر أنه "ليس لدى الأميركيين أي خيارات جيدة في هذا الأمر، وكل ما يستطيعون فعله هو أن يستمروا في القصف الجوي، وتستمر جماعة أنصار الله في ضرب السفن".

 

سيناريوهات متوقعة

وأعلنت الولايات المتحدة، في 17 يناير الماضي، إعادة تصنيف جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) منظمة إرهابية عالمية، رداً على الهجمات المستمرة في البحر الأحمر وخليج عدن. وأوضح بيان الخارجية الأميركية أن "هذا التصنيف سيدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوما"، وأفاد بأنه "إذا أوقف الحوثيون هجماتهم في البحر الأحمر وخليج عدن، فستعيد الولايات المتحدة تقييم هذا التصنيف على الفور".

ولا يعرف مدى استمرار الضربات الأميركية البريطانية على مواقع اليمن، ومدى تصاعدها خلال الفترة المقبلة، في ظلّ مخاوف من توسع الصراع في المنطقة، حيث تشن الولايات المتحدة هجمات على كل من اليمن وسورية والعراق، ردّاً على هجمات تتعرض لها قواعدها بسبب الحرب في غزة.

وقال الباحث اليمني في الشؤون العسكرية علي الذهب: "ربما تعرف الولايات المتحدة إحصائية الخسائر في المواقع التي استهدفتها، لكن طالما أنها مستمرة في الضربات فهذا يعني أن الحوثيين لديهم القدرة على التعويض ولديهم إصرار على المواجهة".

وأضاف الذهب، في حديث لـ"العربي الجديد": "قد تطول هذه العمليات إذا لم يجر التفاهم بشأن عملية السلام في اليمن، وأعتقد أنه قد يتوقف الحوثيون إذا دخلوا في عملية السلام، لذلك هم يراوغون في استئناف محادثات السلام إلى أن يتم إيقاف حرب غزة، وبذلك يصطادون عصفورين بحجر".

وأوضح الباحث أن "التصنيف الأميركي الذي وضع الحوثيين كمنظمة إرهابية ذات طبيعة خاصة، ربما سيدفع خلال الأيام المقبلة إلى تخفيف الهجمات". ورأى أن "هناك تأثيراً للهجمات، ولكن في ظلّ التعتيم الإعلامي، ولجوء الحوثيين إلى استراتيجية التكتم، نستطيع القول إنهم خلقوا منطقة ظلام معلوماتية، لا يمكن الوصول إليها لتقييم أثر هذه الهجمات خلال الشهر الماضي".

ولفت الذهب إلى أن "الحوثيين يستخدمون لحماية مواقعهم عدة خطوات تكتيكية، مثل الإخفاء والتمويه أو تغيير مواقع الإطلاق أو استبدال مواقع النقل والتخزين ما بين الحين والآخر، كل ذلك ساعد على التقليل من الخسائر التي تحدثها الضربات". وتابع: "في كل الأحوال هناك خسائر وبالتالي الضربات لها أثر، لكن هناك تكتم يجعل الكثير من المحللين والمتابعين يفتقرون إلى معطيات التقييم لتلك الآثار التي أحدثتها الغارات الأميركية البريطانية".

أقراء أيضاً

التعليقات

مساحة اعلانية