ما خيارات مصر بعد سيطرة "إسرائيل" على محور فيلادلفيا؟

يحظى محور فيلادلفيا بأهميته استراتيجية، ليس فقط من الناحية الجغرافية؛ بل أيضاً من الناحية الأمنية والسياسية، فهو يقع على الحدود بين غزة ومصر، ويعتبر شرياناً حيوياً للتجارة والاتصال بين القطاع والعالم الخارجي.


وشهد محور فيلادلفيا على مَرّ السنوات الماضية العديد من النزاعات والصراعات والتحركات الأمنية، خاصة فيما يتعلق بمحاولات إيقاف عمليات التهريب ونقل البضائع والأسلحة.


وتحمل سيطرة "إسرائيل" على هذا المحور دلالات عدة تتعلق بتوازن القوى في المنطقة والتأثيرات المباشرة على الأمن القومي لكل من مصر وقطاع غزة.


بالنسبة لدولة الاحتلال، فإن السيطرة على فيلادلفيا تعني فرض رقابة أشد على عمليات التهريب، وتعزيز أمن الحدود، أما بالنسبة لمصر فإنها تعني تحديات جديدة فيما يتعلق بمعبر رفح، وهو الوحيد الذي يربط غزة بالعالم الخارجي مباشرة دون المرور بـ"إسرائيل".


السيطرة الإسرائيلية

أثار إعلان الجيش الإسرائيلي، في 29 مايو الماضي، تحقيق السيطرة العسكرية التامة على محور فيلادلفيا، العديد من التساؤلات، من بينها ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل انتهاكاً لبنود اتفاقية السلام مع مصر، وما إذا كانت الأخيرة ستتخذ خطوة لتعليق العمل بالاتفاقية وسط تصاعد التوترات بين الجانبين.


وأعرب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، عن رغبته في السيطرة على محور فيلادلفيا، في تصريح أدلى به في 30 يناير الماضي، حيث قال: "يجب أن يكون محور فيلادلفيا تحت سيطرتنا الكاملة، ويجب إغلاقه، وأي ترتيب آخر لن يحقق هدفنا في نزع السلاح".


وسارعت القاهرة في حينها إلى تأكيد أن أي انتهاك لمحور فيلادلفيا يعد "خطاً أحمر"، وفقاً لما نقلته وكالة "BBC" الإخبارية.


من جانبه أصدر ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات المصرية الرسمية، بياناً شدد فيه على أن أي تحرك إسرائيلي لاحتلال المحور سيشكل تهديداً خطيراً للعلاقات المصرية الإسرائيلية، وأكد أن "مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها وسيادتها على أراضيها وحدودها".


وتشهد العلاقات بين مصر و"إسرائيل" تصاعداً في التوتر بالآونة الأخيرة، وكان أحدث فصول هذا التوتر مقتل جندي مصري، في 27 مايو الماضي، إثر تبادل إطلاق النار مع قوة إسرائيلية على الحدود في منطقة رفح.


المحور.. تحديات واتفاقيات

ويقول الكاتب والمحلل السياسي قحطان الشرقي إن القاهرة تواجه تحديات منذ اليوم الأول لبدء العمليات البرية لجيش الاحتلال في غزة، وكان ذلك واضحاً عندما هددت "إسرائيل" مراراً بأنه في حال دخول المساعدات دون تنسيق معها فسيتم قصف المعبر، وتتعامل مصر مع هذه التحديات على محمل الجد.


وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين" أن سيطرة جيش الاحتلال على محور فيلادلفيا أدت إلى تقييم القاهرة لهذا الوضع الجديد بحكم أن هناك اتفاقيات سابقة؛ مثل اتفاقية "كامب ديفيد"، والاتفاقيات الأمنية التي تخص المعابر الحدودية والوضع الخاص لسيناء.


وقد تراجع القيادة المصرية كل هذه الاتفاقيات، بحسب الشرقي، الذي أشار إلى تصريح مصري ورد فيه أن أي تحرك يضر بالأمن القومي للبلاد سيتم الرد عليه بشكل مباشر، "وهي رسالة قوية للطرف الإسرائيلي".


ويعتقد الشرقي أن السيطرة على المحور ستكون لها عواقب على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب في حال لم تأخذ الأخيرة بالحسبان المصالح المصرية، "ومن ثم تدفع باتجاه أن تأخذ القاهرة موقفاً حازماً من إسرائيل، إذ هناك احتمال أن يكون لمصر موقف مختلف عن المواقف السابقة، وربما يكون له تأثير كبير على مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية التي تمرّ بحالة فتور".


ولفت المحلل السياسي إلى أن "إسرائيل تعي تماماً أن التحرك في محور فيلادلفيا يخضع لاتفاقيات سابقة، إذ يؤكد أحد البنود أنه "لا يمكن لأي طرف تغيير هذا الوضع إلا باتفاق مكتوب، ومن ثم ترى مصر في هذا التحرك خرقاً لهذه الاتفاقية، وتعي بأن خرق الاتفاقية سيشجع إسرائيل على اتخاذ خطوات أخرى".


وحول مستقبل المعبر وإدارته يوضح الشرقي أن هناك نوايا إسرائيلية بمنع حركة "حماس" من الوصول مجدداً إلى المعبر، ومن إدارته، إذ تتحرك باتجاه الاستعانة بشركة أمريكية بالاتفاق مع القاهرة لكي تدير المعبر، لكن هذه التصورات الإسرائيلية التي تعمل عليها تواجه صعوبات كبيرة.


ويشير إلى أن القاهرة "تعي تماماً أن أي تغيير في الوضع دون موافقتها لن ينجح، ولن يقبل الجانب المصري فرض أمر واقع على هذا المحور دون احترام المصالح المصرية التي استفزتها إسرائيل من خلال بعض التصرفات، لا سيما التحرك الأخير دون التنسيق مع الجانب المصري، الذي أدى إلى الاشتباك المحدود الذي حصل بين الجانبين".


ويرى الشرقي أن "حماس التي تجري الآن مفاوضات مع إسرائيل وبرعاية مصرية أيضاً سيكون لها موقف في هذا المحور، وسينعكس على المحادثات الجارية، وأي خلق واقع جديد في المحور لن ينجح إلا بالتوافق مع الحركة والفصائل الأخرى؛ خاصة نتيجة لظروف أمنية عسكرية تعيها مصر داخل غزة، وتدرك تماماً أنها بحاجة لطرف قوي في القطاع، لذا فإن أي اتفاق حول المعبر لن ينجح إلا بتفاهم إسرائيلي مع حماس".


فتح معبر رفح

في ظل سيطرة "إسرائيل" على محور فيلادلفيا، تبرز عدة سيناريوهات حول الخيارات المتاحة لمصر لإدارة معبر رفح بشكل يخدم مصالحها القومية ويوازن بين الضغوط الدولية والمحلية.


وأحد الخيارات المتاحة أمام مصر هو الاستمرار في فتح المعبر، ولكن تحت إشراف دولي، يمكن أن يشمل وجود مراقبين من الأمم المتحدة أو منظمات دولية أخرى لضمان الشفافية، والحد من الاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة، أو دخول العناصر الإرهابية، وهذا الخيار قد يلقى قبولاً من المجتمع الدولي ويسهم في تهدئة التوترات.


وتمثل الضغوط الدولية عاملاً مهماً في اتخاذ القرارات المتعلقة بمعبر رفح، حيث إن مصر تواجه ضغوطاً لتسهيل مرور المساعدات الإنسانية إلى غزة، وفي نفس الوقت، تحتاج إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول الداعمة لها؛ مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، والتي قد تفرض شروطاً، أو تتوقع إجراءات معينة فيما يتعلق بإدارة المعبر.


بالمقابل تضغط الاحتياجات الإنسانية لسكان غزة على مصر لفتح المعبر بشكل دائم، أو على الأقل لفترات أطول، حيث إن الأوضاع الإنسانية الصعبة تتطلب تدفق المساعدات الطبية والغذائية والخدمات الأساسية، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إدارة فعالة لمعبر رفح.


وأفادت قناة "الحدث" السعودية، في 2 يونيو الجاري، بأن مصر تعتزم تقديم وثيقة للولايات المتحدة تتضمن مطالبها بإعادة فتح معبر رفح، فيما ذكرت تقارير أخرى أن "إسرائيل" وافقت على مشاركة الفلسطينيين في إدارة المعبر.


وذكرت قناة "الحرة" الأمريكية، نقلاً عن مصدر مطلع، في 2 يونيو الجاري، أن القاهرة "تميل إلى الموافقة على وجود بعثة أوروبية" لإدارة معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وفي المقابل تسعى "إسرائيل" إلى "وجود بعثة أممية بمشاركة طرف فلسطيني مقبول لديها".

أقراء أيضاً

التعليقات

ممارسات أدت إلى قرار البنك المركزي اليمني في عدن.


مساحة اعلانية

رغم الحرب التي تشهدها اليمن، إلا أن عيد الأضحى والطقوس المرتبطة به ما زالت موجودة وتحظى بأهمية كبيرة بين الناس في اليمن.