الشيخ سلطان العرادة.. قائد بقي بين الناس وصنع من مأرب قلعة للجمهورية
في الوقت الذي تتعرض فيه محافظة مأرب لهجمات متكررة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة من قبل مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، يواصل عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، الشيخ سلطان بن علي العرادة، حضوره اليومي في المحافظة وممارسة مهامه من بين الناس، في مشهد يعيد إلى الواجهة مسيرة قائد ارتبط اسمه بصمود مأرب وتحولاتها خلال سنوات الحرب.
وكان آخر مشاهد هذا الحضور مشاركة العرادة، أمس الثلاثاء، في تشييع الشيخ ربيش بن كعلان، وسط حشد من المواطنين والوجاهات القبلية، رغم حالة التصعيد والمخاطر الأمنية التي تعيشها المحافظة جراء الهجمات الحوثية الأخيرة.
وأثار ظهور العرادة بين المواطنين تفاعلًا واسعًا، إذ رأى متابعون فيه امتدادًا لنهج اتبعه منذ السنوات الأولى للحرب؛ بالبقاء داخل مأرب، والاحتكاك المباشر بالمجتمع والقبائل والقوات المسلحة والمقاومة الشعبية، بدل إدارة المحافظة من خارجها.
من قرار الصمود إلى قيادة المواجهة
منذ انقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة عام 2014 واقتراب المواجهات من مأرب، برز العرادة باعتباره أحد أبرز الشخصيات التي اختارت الصمود والدفاع عن المحافظة ومؤسسات الجمهورية.
وخلال أصعب مراحل الحرب، لعب دورًا بارزًا في حشد القبائل وتوحيد جهودها باتجاه الدفاع عن مأرب، بالتوازي مع دعم الجيش والمقاومة الشعبية، لتتحول المحافظة إلى إحدى أهم جبهات مواجهة المشروع الحوثي.
ولم يكن حضور العرادة مقتصرًا على الاجتماعات الرسمية؛ إذ ظهر في مراحل مختلفة بالقرب من الجبهات والمقاتلين والقبائل، وظل موجودًا في مأرب حتى عندما كانت المعارك تقترب من المدينة وتتعرض المحافظة للقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ومنذ سنوات المواجهة الأولى وحتى التصعيد الحالي، حافظ العرادة في خطاباته ومواقفه على التأكيد أن الدفاع عن مأرب ليس دفاعًا عن محافظة بعينها، وإنما عن الجمهورية والدولة ومؤسساتها، وأن القبيلة والجيش والمقاومة شركاء في هذه المعركة.
علاقة وثيقة بالقبيلة والمجتمع
وشكلت علاقة العرادة بالقبائل والمجتمع المحلي إحدى الركائز الأساسية في إدارة المحافظة خلال سنوات الحرب، مستفيدًا من مكانته الاجتماعية والقبلية في تعزيز التماسك الداخلي وحشد الطاقات لمواجهة التحديات العسكرية والأمنية والإنسانية.
وقدمت مأرب خلال سنوات المواجهة نموذجًا لالتقاء الدولة والقبيلة والجيش والمقاومة الشعبية في مواجهة الحوثيين، بينما حافظ العرادة على حضوره في المناسبات الاجتماعية والقبلية، ومشاركته المواطنين أفراحهم وأتراحهم.
ويعيد ظهوره الأخير في تشييع الشيخ ربيش بن كعلان، رغم التهديدات الأمنية، التذكير بصور ومشاهد عديدة ظهر فيها العرادة بين المواطنين والمقاتلين والقبائل خلال السنوات الماضية.
مأرب.. من مدينة محدودة الإمكانات إلى ملاذ لملايين اليمنيين
ولم تقتصر تجربة العرادة على إدارة المواجهة العسكرية، بل تزامنت سنوات قيادته للمحافظة مع تحولات سكانية وتنموية كبيرة فرضتها الحرب ونزوح أعداد ضخمة من اليمنيين إلى مأرب.
فالمحافظة التي كان عدد سكانها قبل الحرب يقدر بنحو 300 ألف نسمة، استوعبت خلال سنوات الحرب أعدادًا كبيرة من النازحين والقادمين من مختلف المحافظات، وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المقيمين فيها بات بالملايين، ما وضع السلطات المحلية أمام تحديات استثنائية في الخدمات والبنية التحتية والإسكان والتعليم والصحة.
ورغم تلك الضغوط، شهدت مأرب توسعًا عمرانيًا ملحوظًا وتطورًا في عدد من القطاعات الخدمية، شمل الطرق وتنظيم المدينة والنظافة والخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء، إلى جانب إنشاء وتطوير مؤسسات أكاديمية، من بينها جامعة إقليم سبأ.
كما أصبحت المحافظة مركزًا رئيسيًا لاستقبال النازحين من مناطق سيطرة الحوثيين، واستوعبت مواطنين ينتمون إلى مختلف المحافظات والمناطق اليمنية، وهو ما منحها خلال سنوات الحرب أهمية سياسية واجتماعية وإنسانية تتجاوز حدودها الجغرافية.
بناء القوة بالتوازي مع بناء المؤسسات
وعلى المسار العسكري، ارتبطت قيادة مأرب بجهود تأهيل القوات الحكومية ودعم بناء جيش أكثر تنظيمًا وقدرة على مواجهة الهجمات الحوثية، في الوقت الذي ظلت فيه المحافظة إحدى أهم قواعد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية.
وقد واجهت مأرب خلال السنوات الماضية موجات متتالية من الهجمات، وفي بعض المراحل حشد الحوثيون أعدادًا كبيرة من مقاتليهم وحاولوا الوصول إلى المدينة، إلا أن الجيش والمقاومة والقبائل تمكنوا من منع سقوط المحافظة.
وفي تلك المراحل، ظهر العرادة في لقاءات واجتماعات ميدانية وتصريحات أكدت خيار الصمود وعدم تسليم مأرب، وهي مواقف يمكن استحضارها اليوم إلى جانب الصور والمقاطع الأرشيفية التي توثق وجوده بين المقاتلين والقبائل والمواطنين، لإظهار مسار متصل منذ بدايات المواجهة وحتى اليوم.
قائد يعيش بين الناس
ويكتسب الحضور المستمر للعرادة دلالة خاصة في ظل التصعيد الراهن، إذ لم تدفعه الهجمات الحوثية الأخيرة إلى الابتعاد عن المحافظة أو تقليص ظهوره الاجتماعي والميداني، بل استمر في أداء مهامه والمشاركة في الفعاليات والمناسبات العامة.
وهذا الحضور هو ما جعل صورة العرادة لدى قطاعات من اليمنيين تتجاوز صفته محافظًا لمأرب أو عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، إلى أحد أبرز رموز الصمود الجمهوري خلال سنوات الحرب.
وبين مأرب التي واجهت محاولات إسقاطها عسكريًا، ومأرب التي فتحت أبوابها لمئات الآلاف من الأسر النازحة وشهدت توسعًا عمرانيًا وخدميًا كبيرًا، تبرز تجربة سلطان العرادة بوصفها نموذجًا لقيادة جمعت بين إدارة المعركة، والحفاظ على تماسك المجتمع، واستمرار مؤسسات الدولة والخدمات في ظروف استثنائية.
وبعد أكثر من عقد من المواجهة، لا تزال صور العرادة وهو يتحرك بين المواطنين والقبائل والمقاتلين تختصر جانبًا أساسيًا من تجربته: قائد اختار البقاء في مأرب عندما كانت تحت الخطر، ولا يزال حاضرًا فيها اليوم رغم استمرار التهديد.




التعليقات