الساحل .. من تعقيد التشكيلات العسكرية إلى وضوح المعركة: دولة أمام ميليشيا
الساحل .. من تعقيد التشكيلات العسكرية إلى وضوح المعركة: دولة أمام ميليشيا
د. علـي أبـو الحبيب
خبير تدريب وتطوير
--------------- - - - - - - - - - - - - -
ما يحدث اليوم في الساحل الغربي لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية المواقع التي سقطت أو القوات التي انسحبت بل من زاوية أعمق: كيف أعاد هذا التطور تعريف طبيعة المعركة ومسؤولية الدولة عنها؟
لسنوات كان الساحل الغربي يضم تشكيلات عسكرية متعددة بعضها محسوب على الشرعية سياسيًا وعسكريًا لكنه لم يكن جزءًا مباشرًا من البنية الرسمية لوزارة الدفاع بالمعنى المؤسسي الكامل.
وكان وجود هذه التشكيلات مهما كانت مواقفها الوطنية أو أدوارها في مواجهة الحوثيين يجعل المشهد العسكري أكثر تعقيدًا ويجعل التعامل مع الساحل باعتباره جبهة واحدة تحت قيادة الدولة أمرًا بالغ الحساسية.
أما اليوم وبعد التطورات العسكرية الأخيرة فقد تغيّر المشهد بصورة جذرية.
لم يعد السؤال: من يسيطر على هذه المنطقة؟ بل أصبح السؤال: كيف ستستعيد الدولة هذه المنطقة؟
فخروج القوات التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من الساحل ودخول الحوثيين إليها مهما اختلفت التوصيفات حول أسباب ذلك نقل المشهد من حالة تعدد القوى والتشكيلات إلى حالة أكثر وضوحًا: أرض تسيطر عليها ميليشيا الحوثي ودولة مطالبة باستعادتها.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها..
لو بقيت التشكيلات السابقة في مواقعها واستمر الوضع العسكري والسياسي على صورته السابقة.. فهل كانت الشرعية تستطيع أن تتعامل مع تلك المناطق بالمرونة العسكرية نفسها التي تستطيع أن تتعامل بها اليوم مع مناطق أصبحت في مواجهة مباشرة مع جماعة الحوثي؟
ربما لا..
أما الآن فقد أصبح أمام الدولة مسرح عمليات أكثر وضوحًا وهدف عسكري أكثر تحديدًا ومبررًا أقوى لتوحيد القوات والقرار العسكري واستخدام مختلف أدوات القوة لاستعادة الأرض.
فالضربات الجوية التي نشهدها اليوم واتساع نطاق العمليات العسكرية وإعادة حشد القوات الحكومية من تشكيلات مختلفة، كلها تشير إلى أن المسرح بدأ يُعاد تعريفه باعتباره مواجهة مباشرة بين الدولة والحوثيين.
لقد أزال التطور الأخير - شئنا أم أبينا - جزءًا من التعقيد الذي كان قائمًا حول هوية القوة المسيطرة على الساحل وأعاد الدولة أمام مسؤولية واضحة:
استعادة الساحل ليست استعادة أرضٍ من قوةٍ محسوبة على الشرعية وإنما تحرير أرضٍ أصبحت تحت سيطرة جماعة متمردة على الدولة.
وهذه نقطة فارقة في طبيعة القرار العسكري والسياسي بغض النظر عن توصيف ما حدث: هل كان انسحابًا تكتيكيًا؟ أم خطأً؟ أم خيانةً؟ أم نتيجةً لاختلالات عسكرية وسياسية؟ هذه قضية أخرى تحتاج إلى تحقيق وأدلة.
أما النتيجة الاستراتيجية التي لا ينبغي تجاهلها فهي أن الدولة أصبحت أمام مسرح عمليات أكثر وضوحًا.
ومن هنا قد يتحول ما يبدو اليوم كارثةً في الساحل إلى نقطة بداية لإعادة بناء معركة الدولة على الساحل كله: من الحديدة إلى المخا إلى ذوباب وصولًا إلى باب المندب.
والأخطر أن السيطرة الحوثية على هذه المناطق ليست شأنًا يمنيًا محليًا فقط؛ فباب المندب ممر عالمي بالغ الأهمية والتطورات الأخيرة دفعت دولًا إقليمية ودولية إلى التعامل مع ما يجري باعتباره تهديدًا للملاحة والتجارة والطاقة.
لذلك قد يكون السؤال الحقيقي الذي سيجيب عنه التاريخ لاحقًا:
هل كان خروج القوى التي كانت تعيق توحيد القرار العسكري للدولة من الساحل رغم كلفته وخطورته هو الشرط الذي سمح أخيرًا للشرعية بأن تدخل المعركة بوصفها دولةً ذات قرار موحًد لا مجموعةَ قوى؟
إذا استطاعت الشرعية أن تستثمر هذه اللحظة وتوحّد القيادة وتدمج القوات تحت مؤسسات الدولة وتستعيد المبادرة العسكرية فقد نجد أن الانسحاب الذي بدا في لحظته خسارةً أصبح هو نفسه الباب الذي فُتح منه طريق استعادة الساحل وباب المندب.
وعندها فقط سنفهم معنى آخر لقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
والرهان الآن ليس على تفسير ما حدث بل على ما ستفعله الشرعية بما أتاحه هذا التحول.
------ - - - دمتم بخير
اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة



التعليقات