إيران توسّع جبهات الضغط.. اليمن وباب المندب في قلب استراتيجية المواجهة
كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، استناداً إلى مسؤولين إيرانيين وعرب ومعلومات استخبارية، عن استعدادات عسكرية وأمنية نفذتها إيران خلال الأشهر الماضية تحسباً لاتساع نطاق المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، بالتوازي مع المسار الدبلوماسي الذي استهدف خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب التقرير، لم تنظر الدوائر المتشددة داخل القيادة الإيرانية إلى المفاوضات باعتبارها نهاية محتملة للصراع، بل استغلت فترة التهدئة لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية، وتسريع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعزيز جاهزية الحرس الثوري لمواجهة قد تكون أطول وأكثر اتساعاً.
اليمن في صلب الحسابات الإيرانية
ويبرز اليمن، وفقاً للصحيفة، باعتباره إحدى أهم ساحات الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى توزيع الضغط على خصوم طهران خارج منطقة الخليج.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة على معلومات استخبارية أن أجهزة عربية رصدت اتصالات بين إيران وحلفائها في اليمن والعراق، عكست توجهاً نحو رفع جاهزية الجماعات المتحالفة مع طهران استعداداً لاحتمال توسع المواجهة.
وبحسب تلك المعلومات، أرسل الحرس الثوري الإيراني قادة ومستشارين إلى مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في اليمن، للمشاركة في التخطيط لتصعيد محتمل ضد السعودية، بالتنسيق مع مليشيات عراقية مدعومة من إيران.
ولم يقتصر الدور المنسوب إلى الحرس الثوري على المشورة العسكرية، إذ أفاد التقرير بأنه أشرف على نشر صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات لإطلاق الطائرات المسيّرة في مواقع مطلة على البحر الأحمر.
كما تحدثت الصحيفة عن تزويد الحوثيين بمعلومات استخبارية وقوائم أهداف، تضمنت موانئ ومنشآت للطاقة في السعودية، إلى جانب توجيهات عملياتية مرتبطة بتنفيذ الهجمات والحد من احتمالات التعرض لرد سعودي.
هرمز وباب المندب.. معادلة ضغط مزدوجة
وتكشف المعلومات التي أوردتها الصحيفة عن أهمية خاصة للممرات البحرية في الاستراتيجية الإيرانية، إذ يمثل مضيق هرمز بوابة رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، بينما يشكل باب المندب نقطة حيوية تربط المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس.
وفي هذا السياق، يمكن للضغط الإيراني على الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تصعيد الحوثيين في باب المندب والبحر الأحمر، أن يضع حركة التجارة والطاقة أمام تهديدين في اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة.
وتزداد أهمية البحر الأحمر بالنسبة للسعودية في حال تعطل حركة الملاحة عبر هرمز، باعتباره منفذاً بديلاً لوصول جانب من صادراتها النفطية إلى الأسواق العالمية.
ومن شأن اضطراب الملاحة في الممرين في وقت واحد أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
لماذا المخا والساحل الغربي؟
وتأتي هذه المعطيات بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في الساحل الغربي اليمني، ولا سيما في محيط المخا وباب المندب، ما يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة.
وبحسب التقرير، استمرت المواجهات حتى أواخر يوليو، مع هجمات حوثية على القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، بالتزامن مع تهديد حركة السفن المرتبطة بالمملكة.
ويمثل ميناء المخا ومحيطه نقطة مهمة في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب موقعه على الساحل الغربي، وإنما لقربه من باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية للتجارة الدولية.
وبالتالي، فإن تكثيف الهجمات في هذه المنطقة يمكن أن يؤدي دوراً يتجاوز المواجهة الداخلية مع القوات الحكومية، ليصبح وسيلة ضغط على حركة الملاحة والمصالح الاقتصادية الإقليمية.
تحضير تدريجي لمواجهة أوسع
ووفق التقرير، اتبعت طهران استراتيجية تقوم على الجمع بين التفاوض والاستعداد العسكري في الوقت نفسه، بحيث تستمر الاتصالات السياسية مع واشنطن، بينما يجري في الميدان تعزيز القدرات العسكرية وتجهيز الحلفاء لمختلف السيناريوهات.
ونقلت الصحيفة عن محلل دفاعي مقيم في طهران وصفه لهذه السياسة بأنها تشبه استراتيجية «تقطيع السلامي»، القائمة على تنفيذ خطوات تصعيدية محدودة ومتدرجة تستنزف الخصم وتزيد الضغط عليه دون الانتقال مباشرة إلى مواجهة شاملة.
وخلال فترة الهدوء، أرسل الحرس الثوري، بحسب التقرير، مستشارين إلى اليمن والعراق ولبنان لبحث خطط التصعيد المحتملة، بالتزامن مع تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية.
السعودية أمام ضغط من عدة اتجاهات
وتظهر السعودية كإحدى أبرز الدول المستهدفة بهذا النوع من الضغط، نظراً إلى ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها في سوق الطاقة وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وبحسب المعلومات التي نقلتها الصحيفة، فإن التصور الإيراني يقوم على إمكانية ممارسة الضغط على المملكة من أكثر من اتجاه؛ الحوثيون من اليمن والبحر الأحمر، وفصائل مسلحة موالية لطهران من العراق، إلى جانب التهديد الإيراني المباشر في الخليج.
وإذا صح هذا التقييم، فإن التطورات في اليمن والعراق والبحر الأحمر لا تُقرأ باعتبارها جبهات منفصلة، وإنما حلقات ضمن شبكة أوسع من أدوات الضغط الإيرانية.
إعادة ترتيب القوة الإيرانية
وتحدث التقرير كذلك عن استغلال الحرس الثوري فترة الهدوء لتعزيز قدراته، بما في ذلك زيادة إنتاج الصواريخ والعمل على تحسين دقتها، بالتزامن مع تغييرات في المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية.
كما أشارت الصحيفة إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري وتعيين قيادات عسكرية وأمنية أكثر تشدداً، في مؤشر على استعداد طهران لاحتمال استمرار المواجهة بدلاً من التعويل على تسوية سريعة.
اليمن من حرب داخلية إلى جبهة إقليمية؟
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول الدور الذي قد يؤديه اليمن في حال اتساع المواجهة الإقليمية. فبحسب الصورة التي يقدمها التقرير، لم تعد أهمية الحوثيين بالنسبة لطهران مرتبطة بالحرب اليمنية وحدها، وإنما بموقع اليمن المطل على البحر الأحمر وباب المندب وقربه من السعودية.
ويمنح هذا الموقع إيران، عبر حلفائها، ورقة ضغط في ممر بحري بالغ الحساسية، بالتوازي مع قدرتها المباشرة على التأثير في مضيق هرمز.
ومع ذلك، فإن جانباً مهماً من التفاصيل المتعلقة بإرسال المستشارين وتحديد الأهداف والخطط العملياتية يستند إلى مسؤولين ومعلومات استخبارية نقلتها الصحيفة ولم تُكشف أدلتها كاملة للرأي العام، ولذلك تبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى مصادر التقرير وليست معلومات مثبتة بصورة مستقلة.
وفي حال استمرار التصعيد في المخا وباب المندب والجبهات اليمنية الأخرى، فإن الخطر يتجاوز حدود الحرب الداخلية، إذ قد يتحول اليمن بصورة أكبر إلى إحدى ساحات المواجهة الإقليمية بين إيران وخصومها، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن السعودية والملاحة الدولية وأسواق الطاقة.




التعليقات