من غزة إلى تعز.. حصار المدنيين يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير والمواقف السياسية
بين غزة الفلسطينية وتعز اليمنية، تختلف ظروف الحرب وأطرافها وخلفياتها السياسية، لكن معاناة المدنيين من القصف والقيود على الحركة ووصول المساعدات تطرح سؤالاً مشتركاً: هل تتغير معايير إدانة الانتهاكات تبعاً لهوية الطرف الذي يرتكبها، أم أن حماية المدنيين مبدأ ينبغي تطبيقه على الجميع دون استثناء؟
وأعادت مقارنات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم ميليشيا الحوثي عبدالملك الحوثي، تسليط الضوء على ما يصفه منتقدون بازدواجية المعايير لدى بعض الأصوات السياسية والإعلامية التي تدين الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، لكنها تتجاهل أو تبرر انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في اليمن، ولا سيما محافظة تعز.
وتنطلق هذه المقارنات من تساؤل بشأن المواقف التي ترفض الحصار والقصف واستهداف المدنيين في غزة، بينما تتعامل بصورة مختلفة مع ممارسات مشابهة موثقة في تعز، رغم اختلاف السياق القانوني والسياسي والعسكري بين الحالتين.
غزة.. أزمة إنسانية مستمرة وقيود على المساعدات
في قطاع غزة، وثّقت تقارير الأمم المتحدة استمرار سقوط ضحايا مدنيين وتضرر البنية التحتية، إلى جانب القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية والخدمات الأساسية.
ووفق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صدر في 2 أكتوبر 2026، لا تزال القيود على إدخال المعدات والمواد الضرورية، إلى جانب نقص التمويل، تؤثر على إمدادات المياه والغذاء والخدمات الإنسانية في القطاع.
كما حذرت منظمة الصحة العالمية، في سبتمبر الماضي، من استمرار الضغوط الشديدة على القطاع الصحي، مشيرة إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل بصورة جزئية، وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود.
وتؤكد هذه التقارير أن حماية السكان المدنيين وضمان وصول المساعدات تظلان من أبرز التحديات الإنسانية في غزة.
تعز.. سنوات من القيود والحصار ومعاناة السكان
وعلى الجانب اليمني، شهدت مدينة تعز سنوات طويلة من القيود المفروضة على الطرق الرئيسية المؤدية إليها، في ظل الحرب المستمرة بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي.
ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في ديسمبر 2023، قيام القوات الحوثية بفرض نقاط تفتيش وقيود على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، ما أجبر السكان وشاحنات المواد الغذائية والمياه والمساعدات على سلوك طرق طويلة وخطرة.
كما تناول التقرير انتهاكات متعلقة بالحق في المياه ارتكبتها أطراف النزاع، بما فيها القوات الحوثية والقوات التابعة للحكومة اليمنية، وأثرها على حياة السكان.
ورغم اختلاف حجم العمليات العسكرية والظروف الإنسانية بين غزة وتعز، فإن التقارير الحقوقية توثق معاناة مدنيين في الحالتين نتيجة القيود على الحركة ووصول الخدمات الأساسية.
لماذا يثير الموقف من الحوثيين جدلاً؟
يستند منتقدو الخطاب الحوثي إلى أن الميليشيا تقدم نفسها باعتبارها طرفاً مناصراً للقضية الفلسطينية ومناهضاً لإسرائيل، في الوقت الذي تواجه فيه اتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين اليمنيين.
وتطرح هذه المفارقة تساؤلات بشأن العلاقة بين الشعارات السياسية والممارسات الفعلية على الأرض، خصوصاً عندما تتبنى جهة مسلحة خطاباً يدافع عن حقوق المدنيين في نزاع خارجي، بينما تتهمها منظمات حقوقية بتقييد الحقوق نفسها داخل مناطق نفوذها.
وفي المقابل، يرى مؤيدو الحوثيين أن موقفهم من الحرب في غزة يرتبط بمواجهة إسرائيل ودعم الفلسطينيين، وهو موقف لا ينفي بحد ذاته الحاجة إلى مساءلة الجماعة عن الانتهاكات المنسوبة إليها في اليمن.
وتبقى المسألة الأساسية هي مدى الالتزام بمعايير حماية المدنيين، بصرف النظر عن المواقف السياسية المعلنة أو طبيعة التحالفات الإقليمية.
ازدواجية المعايير.. بين الموقف السياسي والمبدأ الإنساني
يثير التفاوت في المواقف من حصار غزة وتعز نقاشاً أوسع بشأن الانتقائية في تناول الانتهاكات خلال النزاعات المسلحة.
فقد يركز بعض المعلقين على الانتهاكات الإسرائيلية بسبب طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما يعطي آخرون الأولوية للحرب اليمنية أو يتبنون تفسيرات سياسية مختلفة لمسؤولية أطرافها.
لكن اختلاف الأولويات لا يعني بالضرورة تبرير الانتهاكات، كما أن اتهام شخص أو جهة بازدواجية المعايير يستلزم الاستناد إلى مواقف وتصريحات محددة تكشف التناقض، وليس مجرد افتراض دوافعه السياسية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين التضامن المشروع مع الفلسطينيين وبين اتخاذ ذلك التضامن مبرراً لتجاهل الانتهاكات المرتكبة بحق اليمنيين.
القانون الدولي.. حماية المدنيين لا تتوقف على هوية الأطراف
تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً واضحة على العمليات العسكرية أثناء الحصار، بما في ذلك حظر تجويع المدنيين وسيلةً من وسائل الحرب، وضرورة احترام مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم.
كما أن وجود مقاتلين داخل منطقة مأهولة لا يسقط الحماية القانونية عن سكانها المدنيين، ولا يجيز استهدافهم بصورة عشوائية. وقتل الأطفال والنساء بالعشرات
وتنطبق هذه المبادئ على أطراف النزاعات المسلحة، وإن اختلف التصنيف القانوني للنزاعات والالتزامات التفصيلية ذات الصلة.
ومن ثم، فإن تقييم الانتهاكات في غزة أو تعز ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأدلة والقواعد القانونية نفسها، لا إلى الانتماء السياسي أو الديني للطرف المسؤول عنها.
من يدين حصار غزة.. ماذا يقول عن تعز؟
تعيد المقارنة بين المدينتين طرح أسئلة تتجاوز حدود اليمن وفلسطين، وتمس مصداقية الخطاب الحقوقي والسياسي في المنطقة.
فإذا كان حرمان المدنيين من الغذاء والماء والدواء أمراً مداناً في غزة، فإن المبدأ الإنساني ذاته يقتضي رفض هذه الممارسات في تعز أيضاً.
وإذا كانت حماية الأطفال والنساء والمرافق المدنية ضرورة لا تقبل المساومة في فلسطين، فإن هذه الحماية لا ينبغي أن تصبح أقل أهمية عندما يتعلق الأمر بالمدنيين اليمنيين.
الخلاصة.. معيار واحد لحماية الإنسان
تكشف المقارنة بين غزة وتعز عن أهمية تبني معايير إنسانية وقانونية متسقة في التعامل مع النزاعات، بعيداً عن الانتقائية أو الاصطفافات السياسية.
فالانتهاكات لا تصبح مقبولة بسبب الشعارات التي يرفعها مرتكبوها، كما أن إدانة طرف لا تعفي الأطراف الأخرى من المساءلة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة: هل يستطيع الخطاب السياسي والإعلامي الدفاع عن حقوق المدنيين في غزة وتعز بالوضوح نفسه، مع الاعتراف باختلاف ظروف النزاعين، ودون تبرير الانتهاكات التي يرتكبها أي طرف؟




التعليقات