الشهيد الزبيري: شرف البداية وخلود النهاية

تمر علينا الذكرى السادسة والخمسون لاستشهاد الرمز الوطني الخالد أبي الأحرار محمد محمود الزبيري، رحمه الله. الثائر الحر والمناضل الصلب الذي فضل الانتماء لشرف القضية الوطنية على أن ينتمي إلى بلاط القصر الكهنوتي .

الزبيري الذي فضل حياة المنافي والتشرد والغربة على حياة البذخ والترف والنعيم، لا عن عجز، ولكن عن إرادة، إذ كان بوسعه أن يعيش كما يعيش أمراء بيت حميدالدين لو أنه جاراهم في ظلمهم، أو على الأقل سكت عن تصرفاتهم؛

لكنه لم يفعل، وحمل قضيته بين يديه، كما يفعل الكبار، فتخلد في ذاكرة الشعب، كما خلده الشعب بين وجدانه وذاكرته علمًا سياسيا، ورمزا نضاليا، فأحبه التلميذ في مدرسته، والجندي في معسكره، والفلاح في حقله، أحبه السهل والجبل، المرأة والرجل، المثقف والعامي، وقد وجد كلٌ منهم نفسه فيه. وهذه هي العظمة التي تخلد الكبار في ذاكرة شعوبهم.

منذ وعى الزبيري نفسه أدرك حقيقة الإمامة فكرا وسياسة ومعتقدا، فنذر نفسه لمواجهتها، مهما كانت الصعاب، إذ ابتدأ في معارضتها في ريعان شبابه، حتى آخر نفس من حياته، حتى وهو في القاهرة طالبا في دار العلوم، وفي ذلك الجو المختلف عن جو صنعاء لم ينس وطنه، ولم ينس قضيته الأم،

إذ عمل على تأسيس كتيبة الشباب اليمني مع صديقه ورفيقه الأستاذ أحمد محمد نعمان، وآخرين أيضا، في سبتمبر 1940م، ثم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي عاد ببرنامجها من القاهرة، عارضًا إياه على الطاغية يحيى حميدالدين الذي سخر منه، ولم يأبه بما قدم، وحين ارتفع صوت الزبيري ضده أودعه سجن الأهنوم آخر عام 1941م والذي ظل فيه أشهرا طويلة، وبعد خروجه انتقل أبو الأحرار إلى قصر الإمام أحمد، ولي العهد، المقيم حينها في تعز، عارضًا عليه الفكرة، فلعل وعسى أن يكون شخصا مختلفًا عن أبيه؛ لكن حاله لم يكن إلا كما قال الشاعر:

هذه العصا من تلكم العُصية

فهل تلدُ الحية إلا حية؟

 

بل ردد قائلا: “أريد أن ألقى الله وقد خضبته بدماء العصريين..”! ولم يكن العصريون إلا الزبيري ونعمان ورفاقهما من الشباب المستنيرين، الأدباء والشعراء والخطباء الذين طلبوا منه إصلاح نظام حكم أبيه المتهالك، من أجل إنقاذ الشعب المعذب بطغيان الإمامة.

ولم يكن أمام هؤلاء الأحرار إلا الفرار إلى عدن، وهناك أسس حزب الأحرار مع الأستاذ أحمد محمد نعمان، وآخرين، ليبدؤوا مرحلة جديدة من النضال، ولم يلبث هذا الحزب أن ألغي بقرار من السلطات البريطانية المتمالئة مع النظام الإمامي بعد أن أوفد الإمام ونجله مندوبَين اثنين لذلك؛

 

لكن الزبيري ورفيقه، لم ييأسا، إذ أسسا في العام 1946م الجمعية اليمانية الكبرى، والتي لعبت الدور الأبرز فيما بين الأعوام: 46: 1948م، والتي صدرت عنها صحيفة “صوت اليمن”، وتواصلت الجمعية مع الخارج، سواء من اليمنيين أم غيرهم، وكانت الصحيفة التي يتم تهريبها إلى شمال الوطن كابوسا مرعبا على الإمام يحيى في صنعاء، ونجله أحمد في تعز.

كان الزبيري أحد رموز ثورة 48م الكبار، التي أخفقت، وقد استطاع الإفلات من سيف الطاغية أحمد بعدها، ليفر إلى باكستان، ثم مصر بعد قيام ثورة يوليو المصرية عام 52م، وهناك ابتدأ فصلا جديدا من النضال، رئيسا للاتحاد اليمني هناك، وكاتبا في الصحف، وأيضا مذيعا في إذاعة صوت العرب التي أسسها الزعيم جمال عبدالناصر، وخصصت نافذة فيها للشأن اليمني، كان الزبيري يطل منها، عارضا قضيته على العالم العربي، ومستثيرا شعبه للانقضاض على الطغيان الإمامي البغيض، حتى قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، فعاد بعدها بأيام مواصلا مشواره النضالي الكبير الذي كان قد ابتدأه قبلها بعشرين عاما.

 

وقد فضل الانتقال بين جبهات القتال، خطيبا وواعظا ومرشدا في خولان وسنحان وحاشد وأخيرا في برط، وهناك لفظ آخر نفَسٍ في حياته، برصاصة اشتراها الكاهن محمد بن الحسين لتخترق الجسد الطاهر بسبب تآمر هذا العنصري ، والمقيم في الجوف يومها، في ثورة مضادة لثورة الشعب.

 

إنها مسيرة كفاح، وسيرة نضال لم تعرف الكلل ولا الملل يوما، منازلا الإمامة شعرا ونثرا، وقولا وفعلا، أينما ذهب وحيثما حل، فتخلد في ذاكرة الشعب رمزا وطنيا خالدا، يحتفل اليمنيون بذكرى استشهاده كل عام، في الوقت الذي يستمطر الشعبُ اللعنات على قاتليه.

رحم الله الزبيري، أديبا وشاعرا، وعالما، ورحمه الله ثائرا ومناضلا، وشهيدا، والخزي والعار للكيان الإمامي البغيض.

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية