الكذبة الكبرى.. "وديعة" التحالف الموعودة لليمن!!

بمجرد تشكيل المجلس الرئاسي في السابع من شهر أبريل/ نيسان الماضي، في الرياض، نيابة عن الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، الذي قدم استقالته تحت ضغط سعودي بمساعدة دولية، وعدت دولتي التحالف بتقديم وديعة مالية جديدة لليمن بقيمة أثنين مليار دولار، ومليار دولار آخر يقدم بشكل مساعدات تنموية مختلفة.

وعلى الرغم أن الرئيس الجديد، العليمي، قال حينها إن مشكلة اليمن أكبر من أن تُحلّ بتلك الوديعة المالية، إلا أن البلاد حينها كانت تعيش أزمة اقتصادية متفاقمة بلغت ذروتها بوصول سعر الدولار الأمريكي الواحد أكثر من 1,500 ريال يمني.

وحتى الآن، مرت قرابة خمسة أشهر على تلك الوعود، وما زال اليمنيون يعيشون حالة ترقب دائم، بانتظار وصول الوديعة الموعودة لتخفف من ويلات التدهور الاقتصادي المتواصل والغلاء الفاحش الذي خلفته قرابة ثمان سنوات من الحرب، منذ اجتاحت مليشيات الحوثي العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، ونهبها للاحتياطي الأجنبي المقدر حينها بخمسة مليار دولار، إضافة إلى أكثر من تريليونين ريال يمني، بحسب الأرقام المعلنة.

ومن شهر تلو آخر، تتوالى الوعود مع المزيد من الاشتراطات والمطالب دون تحقيق أي تقدم يذكر في هذا الجانب رغم إعلان البنك المركزي في منتصف يوليو/ تموز الماضي أن البنك استوفى كافة الشروط لاستيعاب الوديعة.

 

وعود سابقة مشترطة

مطلع العام 2018 أعلنت المملكة العربية السعودية عن تقديم وديعة مالية مقدارها أثنين مليار دولار أمريكي للبنك المركزي اليمني، ظلت تقدمها على دفع زمنية متفاوتة على مدى ثلاثة أعوام تقريبا، استخدم البنك معظمها للمساعدة في تمويل واردات السلع الغذائية الأساسية ودعم المشتقات النفطية.

إلا أن تلك العملية ارتبطت بفساد كبير، كما كشفت التقارير لاحقا. الأمر الذي أدى- وفقا لمراقبين اقتصادين- إلى انعدام ثقة السعوديين بالحكومة اليمنية ومؤسساتها المالية المعنية، ما جعلها تتوقف عن تسليم ما تبقى منها، والبالغة 174 مليون دولار فقط، قبل أن تطلقها لاحقا تحت شروط إصلاحية اقتصادية وأخرى سياسية في مايو/ أيار 2022.  

وقبل الوعود الأخيرة، التي أعقبت تشكيل المجلس الرئاسي مطلع أبريل الماضي، ظل الرئيس هادي يتودد لدولتي التحالف من أجل تقديم منحة مالية إضافية عاجلة لإنقاذ الاقتصاد الوطني الذي يزداد انهيارا، خصوصا بعد أن وصل سعر الدولار الواحد إلى أكثر من 1,700 ريال يمني. وقبل نهاية العام الفائت (2021) وافقت دول التحالف على طلبه ولكن بموجب شروط ومتطلبات سياسية، كان أهمها إعادة تشكيل قيادة البنك المركزي اليمني، وهو ما تم فعلا مع نهاية العام.

وتردد حينها أن الإمارات طالبت أيضا بالإطاحة بمحافظ شبوة محمد صالح بن عديو، الذي كان يشكل حجر عثرة أمام أطماع أبو ظبي ومشاريعها في اليمن. وفي وقت سابق كان بن عديو قد شدد على الحكومة اليمنية بضرورة الإسراع باستئناف العمل في منشأة بلحاف الغازية، التي تغذي خزينة الدولة بأكثر من 70 % من النقد الأجنبي، وعطلتها الإمارات التي اتخذتها قاعدة عسكرية لقواتها منذ العام 2017 تقريبا.

نجح التحالف بالضغط على الرئيس هادي، الذي قبل- تحت الحاجة إلى ذلك الدعم- بإقالة المحافظ بن عديو في آواخر العام الماضي (2021)، وعين بدلا عنه محافظا تابعا للإمارات اختارته هي بنفسها، هو الشيخ عوض بن الوزير العولقي، الذي عاش في الإمارات وحصل على جنسيتها.

ومع نهاية العام 2021، أعلن رئيس الحكومة معين عبد الملك، آواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول، أن هناك وديعة سعودية قادمة تم الاتفاق حولها وإجراءات إيداعها.

ومع ذلك؛ إلا أن دول التحالف لم تلتزم بوعدها الذي قطعته للرئيس هادي وحكومته. وبدلا من ذلك ناورت مجددا وتقدمت بشروط جديدة، كان أهمها هذه المرة السماح لقوات العمالقة، المدعومة إماراتيا، بدخول شبوة بحجة تحرير مديرياتها الثلاث التي كانت ما تزال تحت سيطرة ميليشيات الحوثي. وهو ما تم لها مطلع العام الحالي، إلا أن الدعم الاقتصادي الموعود من التحالف لم يأت، بل توقف الحديث عنه إلى أن ظهرت الوعود مجددا مع تحديثات السابع من أبريل الماضي، والمتمثلة بإعلان الرئيس هادي استقالته وتفويض صلاحياته الكاملة للمجلس الرئاسي الجديد.

 

زيارات تنتهي بالمزيد من الوعود

عقب إعلان تشكيل المجلس الرئاسي، في أبريل الماضي، تعهدت كل من السعودية والإمارات بتقديم ثلاث مليارات دولار كدعم عاجل لليمن، منها أثنين مليار دولار مناصفة بين الرياض وأبو ظبي دعماً للبنك المركزي، ومليار ثالث، ينقسم إلى 600 مليون دولار لصندوق دعم شراء المشتقات النفطية و400 مليون دولار لمشاريع ومبادرات تنموية، إضافة إلى 300 مليون دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي أعلنتها الأمم المتحدة لعام 2022.

ومنذ تشكيله؛ أجرى رئيس المجلس رشاد العليمي، منفردا أو مع بقية الأعضاء، ثلاث زيارات، رسمية وغير رسمية، لدولتي التحالف، قيل في جميعها إنها شملت نقاشات حول الوديعة الجديدة الموعودة، وآلية صرفها ووصولها، وربما المزيد من الشروط اللازمة لذلك.

جاءت الزيارة الأولى للمجلس الرئاسي، إلى الدولتين، مع نهاية شهر أبريل الماضي، وبعد أسبوع واحد على تأديتهم القسم الدستوري في العاصمة المؤقتة عدن. وعاد الوفد الرئاسي محملا بالوعود حول الدعم الاقتصادي. وقال العليمي، في خطابه بمناسبة عيد الفطر، إن زيارة المجلس للسعودية والإمارات "وضعت خارطة طريق واضحة لدعم مسارات إعادة التأهيل في الخدمات والاقتصاد".

الزيارة الثانية للعاصمة السعودية (الرياض) كانت في آواخر يونيو/ حزيران الماضي، وجاءت في نهاية جولة عربية قام بها أعضاء المجلس الرئاسي، بدأت مطلع الشهر، وشملت كل من مصر والكويت والبحرين وقطر. وكانت الوعود التي تلقاها المجلس من الرياض مشبعة بالمزيد من التفاؤلات والآمال العريضة، ربما أكثر من الزيارة السابقة.

أما الزيارة الثالثة، فقد أنفرد فيها رئيس المجلس رشاد العليمي، الذي توجه إلى أبو ظبي في منتصف شهر أغسطس/ آب الجاري، في زيارة مفاجئة وصفتها وكالة الأنباء الحكومية (سبأ) أنها "غير رسمية"، ولم ينجم عنها أية نتائج، كما لم يتأكد ما إذا كان قد التقى بمسئولين إماراتيين كبار أم لا؟ ليغادر منها بعد خمسة أيام إلى العاصمة السعودية (الرياض) في 20 أغسطس. وما زال هناك حتى كتابة هذا التقرير.

ومع المزيد من الوعود المتكررة، دون أية نتائج ملموسة على أرض الواقع حتى الآن، تترسخ التساؤلات العالقة في ذهن الموطن اليمني حول: ما إذا كانت الوديعة المعلن عنها سوف تصل الى البنك المركزي فعلا أم لا؟ ومتى ستصل، إن كانت ستصل فعلا؟ أم أن سياسة "العصا والجزة"، التي بدى من الواضح أن التحالف يمارسها بشكل فج لتحقيق مصالح سياسية، ستطول أكثر من اللازم؟ وإلى أين ستصل نتائج هذه اللعبة الخطيرة، التي تربط "عصى" المطالب السياسية بـ "جزة" الدعم الاقتصادي؟!

 

شروط إصلاحية قد تطول

يعزو الباحث والمحلل الاقتصادي اليمني وحيد الفودعي التأخير الحاصل من قبل التحالف العربي في تنفيذ وعوده بشأن تجديد الدعم الاقتصادي، إلى انعدام الثقة بالحكومة اليمنية من قبل التحالف بدرجة رئيسية.

وأوضح الفودعي لـ "يمن شباب نت"، أن الحملات والصدمات التي تعرضت لها الحكومة، بما في ذلك الاتهام بالفساد وغسيل الأموال من قبل فريق الخبراء الدوليين، رغم تراجعه لاحقا عن ذلك، أثر بشكل كبير على ثقة الأشقاء في المملكة العربية السعودية والإمارات بالحكومة الشرعية.

وعليه، يؤكد على أن هناك "الكثير من الشروط الإصلاحية" مطلوبة قبل تسليم الدعم، مضيفا: "وأنا معهم قلبا وقالبا في ذلك". وفي الوقت الذي نفى فيه علمه بوجود شروط سياسية، استدرك بالقول: "ولكن كما يظهر في العلن؛ هي عبارة عن شروط لإصلاحات وتصويبات خاصة بمؤسسات الدولة".

وأشار إلى أنه "لا يوجد أي تقدم في تسليم الوديعة"، حتى الآن، مضيفا: "إلا إذا كان الأشقاء سيتجاوزون عن بعض الشروط، مالم فإنني أعتقد أن الوقت سيطول لتلبيتها". وفي هذا الصدد لفت إلى أن بعض تلك الشروط "يتطلب معالجات وإصلاحات وإعادة هيكلة وأمور قد تأخذ وقتا، ربما شهورا وربما سنوات"، لكنه أعرب عن أمله في أن "يتجاوزوها، وأن يكونوا أكثر مرونة، إلى الحد الذي يضمن أن يذهب الدعم إلى الشعب اليمني وليس إلى هوامير الفساد"، حسب تعبيره.

 

تأخير الوديعة بين الأسباب المعلنة وغير المعلنة

من جهته أيضا، يعتقد الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني الدكتور محمد قحطان أن السبب الرئيسي في تأخير تسليم الوديعة المعلن عنها، يرجع إلى عدم قدرة الحكومة اليمنية لتلبية شروط الوديعة، وأهمها العمل بنظام الحوكمة في إنفاق الوديعة.

وبحسب توضيحه لـ "يمن شباب نت"، فأن عملية الحوكمة تتطلب عدد من الشروط والإجراءات، أهمها: "الرقابة، وإصلاح الجهاز المالي للدولة، وإعادة هيكلة البنك المركزي اليمني وفروعه بالمحافظات"، إلى جانب عدد من المطالب والإجراءات الأخرى الضرورية..

وهذا الأمر، كما يقول: "يتطلب توفر إرادة سياسية، وتضحية بمكاسب مالية كبيرة يجنيها كبار نافذي الدولة، الأمر الذي يصعب فيه عملية الإصلاح.. وبالتالي تأخير الوديعة".

وفي وقت سابق، أكد أحد مستشاري البنك المركزي اليمني، هو الدكتور يوسف سعيد، عبر تصريحات نشرها موقع البنك الرسمي، أن الدول المانحة استقدمت خبراء أجانب لوضع الشروط وآليات الاستخدام، حرصا من الجهة المقرضة سلامة الاستخدام، وضمان استعادتها مستقبلا، كما حدث مع الودائع السابقة.

وفي منتصف شهر يوليو/ تموز الماضي، أكد محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، في لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، أن البنك "استوفى كافة المتطلبات لاستيعاب الوديعة المقدمة من البلدين الشقيقين الإمارات والسعودية بمبلغ ملياري دولار أمريكي".

غير أن أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز الدكتور محمد قحطان، كان قد أشار أيضا- ضمن حديثه لـ "يمن شباب نت"- إلى وجود أسباب أخرى ثانوية قد يكون لها علاقة بتأخير الوديعة السعودية، وأهمها "استمرار الصراع السياسي بين مكونات الشرعية ذاتها، واختلافها، أو تقاطع أجنداتها مع أجندات دول التحالف العربي".. الأمر الذي في اعتقاده "يرجئ الوديعة لحين توفر السيطرة السياسية والعسكرية، وضمان تقاسم النفوذ على الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد بعد الحرب".

وهنا، ينوه الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني إلى أن السبب الرئيسي الذي ذكره في مقدمة حديثه "هو السبب المعلن"، مضيفا: "بينما الأسباب الأخرى، التي اسميتها ثانوية، غير معلنة، وقد تكون هي المقصودة"- أي من تأخير الوديعة..!!

 

أحداث الجنوب ومتغيراتها

 ومؤخرا، منذ نهاية شهر يوليو الماضي ومطلع أغسطس الحالي، شهدت محافظات جنوبية- وما زالت- أحداثا سياسية وعسكرية متسارعة بقيادة ما يسمى "المجلس الانتقالي الجنوبي"، وألوية العمالقة، وكلاهما مدعومان من دولة الإمارات، ويقودهما كل من عيدروس الزبيدي وأبو زرعة المحرمي، العضوان في مجلس الرئاسة الجديد الذي شكله التحالف.

وفي حين يرى مراقبون أن تلك الأحداث المفتعلة والمخطط لها، تصب بكل وضوح في مصلحة تمكين المجلس الانتقالي من تحقيق أهدافه الانفصالية بدعم الإماراتيين، فقد أبدو استغرابهم من ذلك الصمت الذي التزمته السعودية إزاء كل تلك الأحداث التي أدت إلى تفكك وليدها الجديد (المجلس الرئاسي)، وأحدثت اختلالات عميقة في التوازن المفترض في إطار مكوناته المقسمة بين دولتي التحالف، في الوقت الذي ضاعفت فيه من حالة التوتر السياسي والاجتماعي والشعبي..!!

في هذه الأثناء، ما يزال رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي في مقر إقامته بالرياض، منذ وصلها في 20 أغسطس الجاري، مكتفيا بممارسة مهمة استقبال السفراء وإطلاق التصريحات بين الحين والأخر، دون تحقيق أية نتائج تذكر بخصوص تلك المنحة المالية، التي يعتقد كثيرون أن المتغيرات الأخيرة ضاعفت من عدم إمكانية الوفاء بها..!!

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية