القضاة اليمنيون في مواجهة سطوة نفوذ الحوثيين

مع كل هدنة ووقف قتال في اليمن، تتكشف أزمة جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، عبر معارك أخرى تخوضها في المؤسسات الحكومية تحت شعار "مكافحة الفساد"، فيما يرى معارضون للجماعة أنها حملات لترسيخ نفوذها. هذه المرة كان القضاة هم الهدف الرئيسي، مع تعرّضهم لانتهاكات صاحبتها حملات إعلامية مكثفة، وُصفت بأنها "تحريض ممنهج".

وبدأ القضاة في مناطق سيطرة الحوثيين، في 3 سبتمبر/أيلول الحالي، إضراباً في المحاكم والنيابات استجابة لدعوة وجهها نادي قضاة اليمن في صنعاء، احتجاجاً على إعدام القاضي محمد حمران من قبل عصابة مسلحة فجر الخميس الماضي، بعد يومين من اختطافه من أحد الشوارع الرئيسية وسط صنعاء.

وقالت مصادر قضائية لـ"العربي الجديد"، إن غالبية المحاكم والنيابات توقّفت كلياً عن العمل منذ الساعات الأولى من الدوام يومي السبت والأحد الماضيين، وامتنع القضاة عن الحضور إلى مقار أعمالهم، مما تسبّب بشلل في المحاكم، على الرغم من تهديدات مجلس القضاء الأعلى (خاضع لسيطرة الحوثيين) ودعوته إلى الالتزام بالعمل.

وبثت وزارة الداخلية في صنعاء فيديو لاعتراف المتهم صلاح الحمامي باختطاف وقتل القاضي حمران، وهو الاسم نفسه الذي تداوله ناشطون، فور اختطاف القاضي مساء الثلاثاء 30 أغسطس/آب الماضي. من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية عبد الخالق العجري إن "المتهمين قاموا بقتل القاضي حمران أثناء وصول رجال الشرطة ومحاصرة المنزل"، وأضاف: "الجريمة وقعت نتيجة خلافات سابقة في موضوع أراضٍ ونزاعات خاصة".

لكن ابنة القاضي حمران، وائلة، قالت إن المتهم بقتل والدها "لم يكن سوى بندق وجّه الرصاص على رأس أبي، وتجريمه وحده ما هو إلا تبرئة للبقية، ومنهم المحرضون والمشاركون". وأضافت في منشور على صفحتها في "فيسبوك": "لا بد من توسيع دائرة التحقيق لمعرفة ومحاكمة كافة المتورطين، لأن الجريمة تم الإعداد لها منذ فترة طويلة ورسم خطوط سيرها بدقه".

 

القضاة اليمنيون في مواجهة الحوثيين

شكّلت جريمة قتل القاضي حمران، الذي كان عضواً في المحكمة العليا في صنعاء (أعلى هيئة قضائية باليمن)، صدمة في أوساط القضاة في مناطق سيطرة الحوثيين، باعتبارها استكمالاً لانتهاكات سابقة، بدأت بقطع رواتبهم وانتهاء بالتهديدات التي تمس حياتهم، إضافة إلى عملية فصل ومحاكمات واسعة لمنتسبي السلك القضائي.

وقال نادي القضاة في بيان الخميس الماضي إن "قضاة اليمن يعيشون ما بين تهديد واعتداء وانتهاك واحتجاز واختطاف وقتل، وتعطيل للمبادئ الدستورية، كل ذلك بسبب التحريض العلني لقناة الهوية (قناة تتبع الحوثيين في صنعاء) في ظل صمت مطبق يثير الشك والريبة عن أهدافه".

شكّلت جريمة قتل القاضي حمران، صدمة في أوساط القضاة باعتبارها استكمالاً لانتهاكات سابقة

وأعلن النادي في بيانه الإضراب، داعياً إلى رفع دعوى ضد المحرّضين على القضاة، وسرعة البت في كافة قضايا التعدي على القضاة المطروحة أمام النيابات المتخصصة. وحمّل النادي، مجلس القضاء في صنعاء، كامل المسؤولية في ما وصل إليه وضع القضاء والقضاة، وطالب أعضاء المجلس بتقديم استقالاتهم، وتشكيل مجلس كفاءات.

في المقابل، لوّحت جماعة الحوثي بمعاقبة كافة القضاة وأعضاء النيابة في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها. ووفقاً لوكالة "سبأ" الخاضعة للحوثيين، دعا مجلس القضاء الأعلى "كافة القضاة وأعضاء النيابة في المحاكم والنيابات إلى الالتزام بأعمالهم وإنجاز قضايا المواطنين وتقديم خدمة العدالة للناس".

 

الصراع على النفوذ في القضاء

في أواخر عام 2020 أنشأت جماعة الحوثي "المنظومة العدلية"، وهي عبارة عن لجنة تضم المؤسسات القضائية والأجهزة الأمنية، برئاسة عضو المجلس السياسي (مجلس الحكم للحوثيين) محمد علي الحوثي. وكان الأخير يرأس سابقاً ما تسمى باللجنة الثورية، عقب سيطرة الجماعة على صنعاء في سبتمبر 2014، والتي كانت مهمتها إدارة كافة المؤسسات الحكومية عبر مشرفين يتبعون تلك اللجنة.

خلال العامين الماضيين، بدأت المنظومة العدلية الحوثية، حملة ضد محرري العقود والوثائق، وحصرها في أشخاص يختارهم الحوثيون وفق شروطهم. ومُنع القضاة أخيراً من تحرير أي عقود بيع وشراء، وتم إلزامهم بالاستعانة بالأشخاص الذين تم تعيينهم. ووصلت التضييقات إلى دعوات لإقالة ومحاكمة قضاة بتهم الفساد، وإسقاط الحصانة القانونية عن القضاة.

وفي 18 أغسطس الماضي، أعلن رئيس المنظومة العدلية محمد علي الحوثي، تعليق عمل 70 عضواً في النيابة تمهيداً لمحاكمتهم. ودعا في تغريدات في حسابه على "تويتر"، "من يملك أدلة حقيقية على أي منتسب للنيابة، إيصالها للنائب العام". وقال: "مجلس القضاء يقدّم ويؤخر بحق القضاة الذين رفعت تقارير ضدهم تدينهم بسبب لعبهم في عقود البيع، ويجب إحالتهم إلى المحاكمة".

واعتبرت نقابة المحامين اليمنيين في صنعاء، في بيان لها الخميس الماضي، أن "المنظومة العدلية تستهدف السلطة القضائية منذ زمن، وتنتهك الدستور، وصارت دولة فوق الدولة وسلطة فوق الدستور من دون أي حق وتفتقد المشروعية، وتمادت في الإساءة للقضاء وكسرت هيبته، وشهرت به".

ورأى المحامي عبد المجيد صبرة أن "هناك رضوخاً وانحناء من أعضاء السلطة القضائية للتدخّل السافر في عملها من قِبل المنظومة العدلية للحوثيين، ويرأس اجتماعاتهم رئيس المنظومة (محمد علي الحوثي) على الرغم من أن مؤهلاته لا تخوّله لأن يكون حتى عضواً في السلطة القضائية، وهذه بحد ذاتها كارثة بحق قضاء سلطة الأمر الواقع في صنعاء".

وأضاف صبرة في تصريح لـ"العربي الجديد": "تعرّضت السلطة القضائية وأعضاؤها لأكبر وأفظع انتهاكات لم نعرفها من قبل، خصوصاً بعد إنشاء ما تُسمى المنظومة العدلية، وكان من تداعياتها أخيراً اغتيال القاضي محمد حمران".

 

إحلال قضاة جدد

ويشير مراقبون إلى ممارسات ممنهجة قامت بها جماعة الحوثي، واستهدفت رجالات السلطة القضائية الذين لا يخضعون بالولاء للجماعة، أو أولئك الذين يُتهمون بأنهم يتبعون أطرافاً سياسية من النظام السابق، بالتزامن مع حملات تحريض وتخوين لبعض القضاة.

وقال القاضي نبيل الجنيد، المسؤول الإعلامي لنادي القضاة، إن "المنظومة العدلية أُنشئت بلا مشروعية ومن دون قانون إنشاء ومخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، إذ يرأسها أحد أعضاء السلطة التنفيذية وهو محمد علي الحوثي الذي يمارس دور رئيس كل السلطات".

وأضاف، في منشور على صفحته في "فيسبوك"، أن "المنظومة العدلية سلبت مجلس القضاء الأعلى صلاحياته وأضعفته وأضعفت القضاء وتدخّلت في كل شؤونه، وهدفها التخلص من القضاة الحاليين لإحلال بدلاء عنهم ممن تم إعدادهم مسبقاً لذات المهمة". وتابع: "لا نعترض على محاسبة ومحاكمة أي قاضٍ يثبت فساده، وفقاً للقانون الذي حدد ذلك ومنها سرية الإجراءات، ليس حفاظاً على سمعة شخص القاضي، إنما حفاظاً على سمعة ومكانة وقدسية القضاء حتى لا يفقد المجتمع الثقة فيه".

لكن احتجاج القضاة كسر حالة من الصمت خلال السنوات الماضية، إذ يشكو القضاة من ممارسة انتهاكات ضدهم بشكل أساسي، بدءاً بقطع رواتبهم على الرغم من أنهم ملتزمون بالعمل اليومي والدوام الرسمي في المحاكم. ووصف بيان نادي القضاة ما يجري بالقول "لم يمنح رجالات السلطة القضائية حقوقهم المالية (الرواتب) ولا حفظت كرامتهم ولا سلمت دماؤهم ولا هيبة القضاء".

ورأى الكاتب الصحافي سلمان المقرمي أن "اعتراض نادي القضاة العلني على مقتل زميلهم حمران بعد حملة تحريض عنيفة ضد القضاة، يعد مرحلة جديدة من الرفض لسلوكيات سلطة الحوثي، وهو تطور طبيعي بعد سلسلة احتجاجات صغيرة شكّلت ما يمكن وصفه بالمعارضة الشعبية في صنعاء".

وأضاف المقرمي، في حديث مع "العربي الجديد": "تمثّلت تلك المعارضة بكسر عدد من المحرمات والمحظورات التي فرضتها جماعة الحوثي منذ سبتمبر 2014، مثل التظاهرات والاعتصامات والإضرابات"، معتبراً أن "ما قام به نادي القضاة انتصار مدوٍ بغض النظر عن نتيجة الإضراب، إذ أعاد الاعتبار لدور النقابات المهنية في حماية منتسبيها".

وعن صراع القضاة مع جماعة الحوثي، لفت المقرمي إلى "محددات تفسر ذلك، وهي شعور المواطنين بمظاهر انهيار المؤسسات، وصراعات قادة الحوثي في ما بينهم، بالإضافة إلى حالة من الغضب الكامن لدى الناس، والتي أفضت إلى تحركات احتجاجية نادرة في صنعاء".

وأضاف أن "صراعات قادة الحوثي ظهرت من خلال تشكيل هيئات بالمهمات نفسها، فمكتب رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط أنشأ هيئة الإنصاف والمظالم، لتعزيز نفوذه على القضاء بعد احتكاره ورئاسته للمؤسسات الإيرادية، الأمر الذي رد عليه محمد علي الحوثي بتأسيس المنظومة العدلية كهيئة قضائية جديدة فوق المحاكم ومجلس القضاء أو بديلاً عنها وتستحوذ أكثر على قضايا العقارات".

وتبرز قضايا العقارات كخلاف جوهري بين قيادات الحوثيين باعتبارها إحدى أبرز مصادر الثراء خلال الحرب للكثير من تلك القيادات، سواء تلك الخاصة بالدولة أو الأراضي المتنازع عليها والذي يتطلب حلها عملية شاقة لكنها تعود بدخل مادي كبير على القيادات التي تقود زمام الحل.

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية