كيف يمكن تفعيل دور مجلس النواب للحدِّ مِن الفساد في المرحلة الراهنة.. دراسة تجيب

مقدمة

عقد مجلس النواب (الذي يعد مكونا رئيسا في السلطة الشرعية)، يوم الأحد الموافق 10 سبتمبر الجاري (2023م)، لقاءً تشاوريا، عبر تطبيق الاتصال المرئي؛ وجاء اللقاء بالتزامن مع انتهاء فترة الأسبوعين التي حددتها هيئة رئاسة المجلس للحكومة، للرد على ما ورد في التقرير المقدم إليها من لجنة تقصي الحقائق التابعة للمجلس، حول الفساد في ملفات النفط والكهرباء والاتصالات والجوانب المالية. وقد آثار تقرير اللجنة، ومذكرة هيئة رئاسة المجلس، حراكًا سياسيا، وسجالًا بين المجلس والحكومة؛ وتسببت الدعوة لعقد اجتماع تشاوري للمجلس في ظهور مواقف متباينة، وهو ما أعاد مجلس النواب إلى الواجهة بعد أن ظل طوال سنوات الحرب في حالة من التهميش. في ذات الوقت، أظهر الاجتماع التشاوري أن المجلس ليس بذلك الضعف، وأن بإمكانه التأثير في الحياة السياسية، والقيام بدور كبير تجاه الفساد الحكومي.

تتناول هذه الورقة الفرص المتاحة أمام مجلس النواب للقيام بدور أكبر في المجال الرقابي، والتأثير على أداء الحكومة بما يحد من الفساد.

تهميش متعمد

رغم انتقال عدد كبير من أعضاء مجلس النواب إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين، إلا أن الرئيس اليمني " المنقولة صلاحياته"، عبدربه منصور هادي، لم يعط مجلس النواب حقه من الاهتمام، ولم يتعامل معه كمؤسسة مساندة لمركزه، ورافعة قوية في وجه تمرد الحوثيين؛ ولم يحرص على إشراك المجلس في التعاطي مع القضايا الوطنية؛ وربما تكونت لديه مخاوف من اتخاذ المجلس لقرارات تحد من صلاحياته، ونتيجة لذلك لم يسع "هادي" لانعقاد المجلس وانتظام اجتماعاته، كما لم يهيئ الأسباب الكفيلة لذلك، من منطلق مسئولياته الدستورية والقانونية. وظل "هادي" عاجزًا عن حسم موقفه من "المجلس الانتقالي" الجنوبي المعارض لعودة الشرعية وسلطاتها إلى المحافظات الجنوبية عمومًا، سواء منها المحررة أو تلك التي لم يصل إليها المتمردون الحوثيون (كمدينة المكلا وسيئون مثلًا).

كما أن "التحالف العربي"، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، خشي أن يكون المجلس صوتًا قويًا يحد من التجاوزات التي تمارسها دوله، فأضاع سندًا قويًا لجهوده ومواقفه كان يمكنه مخاطبة العالم الخارجي من خلاله، ونقل المشكلة اليمنية بكل أبعادها، وتوضيح جريمة التمرد على مؤسسات الدولة، وإضرارها بمصالح الشعب والوطن والإقليم؛ وكان صوته سيغدو مسموعًا باعتباره ممثلًا للشعب اليمني ومجسدًا لإرادته[1].

الأمر نفسه حدث في عهد مجلس القيادة الرئاسي، حيث استمر تهميش مجلس النواب على الرغم من أن عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة المؤقتة عدن، وممارسة أعمالها منها، كانت أحد المبررات المعلنة لتشكيل مجلس القيادة، وأكثر من ذلك فقد اقترن ميلاد مجلس القيادة بتشكيل هيئة التشاور والمصالحة، وبدا الأمر وكأنها مؤسسة منافسة لمجلس النواب.

لكل ذلك، لم يعقد مجلس النواب التابعة للشرعية، على مدى السنوات الماضية (2015- 2023)، أي اجتماع، سوا دورتي انعقاد فقط، إحداها في سيئون في أبريل عام 2019م لاختيار هيئة رئاسته، والثانية في أبريل عام 2022م، منح خلالها شرعية دستورية لمجلس القيادة الرئاسي، ولا شك أن غياب مجلس النواب كمؤسسة تشريعية ورقابية أدى إلى تفاقم حالات الفساد والفوضى في الأداء الحكومي[2]، ومعه تحول الفساد إلى مهدد جدي للسلطة الشرعية.

غياب الجهات الرقابية الأخرى

اقترن تهميش مجلس النواب بغياب بقية الأجهزة الرقابية، إذ لم يجر تعيين أعضاء اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، فيما بقي الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في عدن يعاني من اختلالات جوهرية، منها ندرة الكوادر الفنية المؤهلة، والمخاطر الأمنية التي تتهدد حياة كوادره الفاعلة، وضعف القيادة، والاختراق من قبل الحكومة حد توظيف تقاريره لابتزاز الجهات التي يراد تطويعها من قبل شخصية نافذة في مكتب رئيس الوزراء[3].

تقرير برلماني يحرك المياه

بذلت بعض الأطراف اليمنية جهودًا لتفعيل مجلس النواب، غير أن إمكانية عودة المجلس إلى العاصمة المؤقتة عدن تلاشت بشكل كبير نتيجة عدم تمكين قيادات الدولة من ممارسة عملها في عدن، بما فيها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وموقف الإمارات والمجلس الانتقالي الرافض لعودة المجلس إلى عدن وبقية المناطق التابعة للسلطة الشرعية. وبناء عليه، اقتصر أداء المجلس على نشاط رئيس المجلس وهيئة الرئاسة، والنشاط الفردي لعدد من الأعضاء، وبشكل أكبر من خلال تشكيل لجان تحقيق برلمانية حول عدد من القضايا.

كان من أبرز تلك اللجان اللجنة المشكلة، في 10 أبريل الماضي (2023م)، لتقصي الحقائق في قضايا فساد في قطاعات الكهرباء والاتصالات والنفط. وقد قدمت اللجنة تقريرها إلى هيئة رئاسة المجلس، في 26 أغسطس المنصرم. واشتمل التقرير تشخيصًا لواقع القطاعات التي جرى التحقيق فيها، وتضمن توصيات منها: ضرورة الالتزام بالدستور والقوانين النافذة فيما يتعلق بتوقيع أي اتفاقيات، بما فيها الاتفاق مع شركة ("NX") الإماراتية لإنشاء شركة اتصالات جديدة، والالتزام بعدم التفريط بالسيادة أو الموارد المالية، وقيمة الترخيص، وكيفية احتسابها وممتلكات "عدن نت" و"تيليمن" احتسابًا صحيحًا وفقًا للمعايير الدولية، وكذا كافة البنى والتسهيلات التي ستستخدم، وكافة الحقوق العائدة للدولة، وفقًا لقانون الاتصالات والقانون المالي وقانون الضرائب.

وطالب تقرير اللجنة بسرعة تحرير الاتصالات من تحكم واحتكار جماعة الحوثي، وعدم استغلالها للموارد والمعلومات، كون بقاء الوضع على ما هو عليه حتى الآن أمر معيب على الحكومات المتعاقبة. كما طالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة وتشغيل الكابل البحري (AAE1) في مناطق الشرعية، لتقديم خدماته تحقيقًا للغرض الذي أنشئ من أجله. كما طالب بفتح تحقيق شامل حول ملابسة تشفير وتعطيل الكابل البحري، ومحاسبة كل من تسبب في تعطيله، وما ترتب على ذلك من تعطيل لمصالح الناس، وإضرار بعمليات الاتصالات والمعلومات.

أما رسالة رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، فكانت أكثر حدة، وانطوت على سقف أعلى، حيث أوضح فيها أن لجنة تقصي الحقائق البرلمانية "هالها حجم الاختلالات والمخالفات والعبث الذي اتسم به أداء الأجهزة والجهات ذات العلاقة في مختلف القطاعات، وما تسبب به من آثار خطيرة على حياة الناس والمال العام ومختلف الأنشطة والخدمات العامة ذات العلاقة، وهو أمر غير معهود في أداء الحكومات المتعاقبة"، وأن "عديدًا من الأجهزة الحكومية التي جرى تقصي الحقائق بشأنها لم تلتزم أبسط القواعد القانونية في ممارساتها لواجباتها، وخالفت الدستور والقانون، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تعطيل قانون المناقصات والمزايدات، وعدم تشكيل اللجنة العليا للمناقصات وتفعيل دورها، وكذا هيئة مكافحة الفساد، مما جعل باب العبث والفساد مفتوحًا على مصراعيه، دون رقيب أو حسيب، واختزال تلك الأجهزة الرقابية باللجان الفنية المشكلة من الحكومة في مخالفة صريحة للقوانين النافذة ذات العلاقة".

وطالبت الرسالة بمحاسبة الوزراء الذين ذهبوا إلى مقرات الشركات وبلدانها، بطريقة غير لائقة، لا تتفق مع روح المسئولية، ومكانة الدولة، ولا يتفق مع أداء الحكومات، ولا مع مكانة الجمهورية اليمنية، التي يفترض أن تأتي الشركات إلى مقرها الرسمي. وكان من بين هؤلاء الوزراء الذين أشير إليهم: وزير الشئون القانونية، ووزير النفط، ووزير النقل، والذين ذهبوا إلى أبواب تلك الشركات ومقراتها.

وشددت رسالة رئيس مجلس النواب على الحكومة بـعدم السير في اتفاقية شركة الاتصالات، و"إلغاء أي إجراءات تمت بهذا الشأن، وإعادة النظر فيها، وبما يحفظ حق الدولة وممتلكاتها وسيادتها، وسرعة العمل على تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق بشأن (الكهرباء والنفط والاتصالات والجوانب المالية)، وسرعة موافاة المجلس بما سيتخذ من إجراءات خلال أسبوعين من تاريخه".

وفي 21 أغسطس الماضي، وافقت الحكومة على اتفاقية بيع شركة عدن نت للاتصالات لشركة إماراتية، رغم اعتراض هيئة رئاسة مجلس النواب التي وصفت الاتفاقية بأنها سابقة خطيرة توفر الاستيلاء على ممتلكات الدولة وتجردها من حقوقها السيادية.

وبدوره وجه عضو مجلس القيادة الرئاسي، عثمان مجلي، بتاريخ 28 أغسطس، رسالة لرئيس مجلس القيادة، د. رشاد لعليمي، طالب فيها بإحالة رئيس الوزراء، وكل من له ارتباط بالملفات المشمولة بتقرير ورسالة مجلس النواب على التحقيق، ودعا إلى إلغاء كل الاتفاقيات والإجراءات التي وقعت من قبلهم، والتي تمس الثروات السيادية للدولة اليمنية، وحمله مسئولية عدم التعاطي مع الرسالة.

وبتاريخ 4 سبتمبر عقد رئيس الوزراء "معين عبدالملك" مؤتمرًا صحفيا، رد فيه على رسالة رئيس مجلس النواب، ادعى فيه أن تشكيل اللجنة البرلمانية "غير دستوري" و"غير قانوني"، لأنها لم تشكل من المجلس، ومن القاعة؛ كما ادعى رئيس الحكومة أن مناقشة موضوع شركة الاتصالات جرى في سياق استقطاب سياسي، وليس في سياق قانوني واقتصادي، وأن الاتفاقية مع شركة الاتصالات الإماراتية "تمت مناقشتها، والتصويت عليها بندًا بندًا، في مجلس الوزراء، وليست سرية، وأنه جرى بعد إقرارها رفعها وكل وثائقها لمجلس القيادة الرئاسي باعتباره أعلى سلطة في الدولة"[4].

أثارت الاتفاقية، وما أعقبها من تصريحات لرئيس مجلس الوزراء، شكك فيها بشرعية ودستورية مجلس النواب، لغطًا واسعًا، وانتقادات حادة من أعضاء في مجلس النواب؛ وقام بعضهم بنشر وثائق وأدلة لصفقات فساد في قطاعات التعليم الفني والكهرباء العائمة، مشيرين فيها بأصابع الاتهام إلى رئاسة الحكومة.

دعوة للاجتماع

وجهت رئاسة مجلس النواب، في 8 سبتمبر الجاري، دعوة إلى أعضاء المجلس لعقد جلسة للبرلمان، عبر تقنية الاتصال المرئي، وفيما رحب معظم الأعضاء بالدعوة، ظهرت مواقف متباينة من بعض الأطراف بحسب تأثير القوى الخارجية؛ حيث رفضت الكتلة البرلمانية الموالية لـ"المكتب السياسي"، الذي يرأسه عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، المشاركة في بداية الأمر، ثم عادت واشترطت ألا يتخذ قرار بشأن شركة الاتصالات.

وأعلنت الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي اليمني (تتكون من ثلاثة أعضاء) رفضها المشاركة في اللقاء التشاوري، وأكدت -في بيان لها- أن "أي انعقاد لجلسات المجلس بشأن تقرير لجنة تقصي الحقائق ينبغي أن يكون داخل اليمن، وبعد استلام الرد الكتابي من الحكومة على رسالة المجلس، وفي جلسات علنية، وبحضور الجانب الحكومي، ووفقًا للإجراءات الدستورية والقانونية المنظمة لذلك".

واتخذت الكتلة البرلمانية للوحدوي الناصري قرارًا بعدم المشاركة لنفس الأسباب تقريبًا، وامتنع عضوا الكتلة (سلطان العتواني، وعبدالله المقطري) من المشاركة، في حين رفض العضو الثالث في الكتلة محمد ثابت العسلي، قرار كتلته البرلمانية، واظهر ترحيبا بالمشاركة في الاجتماع، وأوضح أنه يمثل الشعب، وهناك قضايا مفصلية لا تحتمل المناكفات السياسية؛ وأضاف أن "المجلس لم يسمح له بالانعقاد داخل الوطن، من قبل التحالف العربي ومن يسير في فلكهم، وبالتالي ليس هناك مانع من عقد لقاء تشاوري عبر منصة زوم، إذ لا يترتب عليه أي نتائج تتعارض مع الدستور والقانون"[5].

في المقابل من ذلك، عبر مصدر مسئول في مكتب رئيس مجلس النواب عن آسفه لما أعلنه أعضاء كتلتي الحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري من عدم المشاركة باللقاء التشاوري، بحجة أن ذلك لا يتفق مع الدستور والقانون، مع علمهم أنه لقاء تشاوري فقط، لعرض مقترحات رئيس مجلس القيادة بتجميد موضوع لجنة التحقيق حتى عودته من نيويورك، ورسالة رئيس الوزراء بتأجيل الرد على المجلس حتى 18 سبتمبر. وأكد المصدر أن المجلس سبق وأن عقد لقاءين تشاوريين في الرياض، بتاريخ 31 مارس و3 أبريل (2022م)، بالتزامن مع مشاورات الرياض، وشارك فيها جميع أعضاء المجلس، بمن فيهم الأعضاء المعترضين، ولم يرفع أي من هؤلاء المعترضين ولا غيرهم بعدم الدستورية.[6]

انعقاد اللقاء التشاوري

عقد اللقاء التشاوري لمجلس النواب يوم الأحد، الموافق 10 سبتمبر الجاري (2023م)، برئاسة رئيس المجلس، سلطان البركاني، وبحضور عضو مجلس القيادة عضو مجلس النواب، عثمان مجلي. وحضر اللقاء ما يقارب (65) عضوًا، وغاب عنه نائب رئيس المجلس، محمد الشدادي. وبحسب مصدر مطلع فقد اتسمت مشاركة الأعضاء بالحماس. وقال بيان رسمي للمجلس: إن اللقاء خصص للوقوف أمام مستجدات الأوضاع الراهنة في البلاد، ومناقشة مجمل الأوضاع العامة على الساحة الوطنية، وأولويات المرحلة الراهنة، والاتجاهات العامة لخطة عمل مجلس النواب للفترة القادمة. وفي اللقاء أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي، عثمان مجلي، على أهمية قيام مجلس النواب في القيام بمهامه التشريعية والرقابية، باعتباره المؤسسة الحامية للدستور والقوانين واللوائح، ومشيدًا بالملاحظات والتوصيات الواردة في تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق[7].

إعادة اكتشاف المجلس لنفسه

وقد أظهر الحراك الذي أثاره تقرير اللجنة البرلمانية، ورسالة رئيس مجلس النواب إلى الحكومة، واللغط الذي أثير بعد المؤتمر الصحفي لرئيس مجلس الوزراء، وموقف الأطراف من عقد المجلس للقائه التشاوري، وعدد الأعضاء المشاركين في اللقاء، ومستوى الحماس الكبير الذي ظهر في مشاركاتهم، أظهر مصادر القوة التي يمتلكها المجلس، ومكنه من إعادة اكتشاف نفسه، وأنه ليس بالمؤسسة التي يمكن تهميشها، أو تجميدها وتجاوز دورها، وأن بيده الكثير للتأثير في المشهد السياسي، وفي ضبط طريقة إدارة الحكومة للمصالح العامة.

تحولات داعمة

مع الإقرار بوجود عراقيل كبيرة تعترض مسيرة إعادة تفعيل مجلس النواب، ومنها موقف الإمارات، والمجلس الانتقالي الموالي لها، الرافض لعودة المجلس إلى عدن، وصعوبات عقد الجلسات في سيئون أو المكلا أو حتى مأرب، وارتياح الحكومة لمثل هذا الأمر، وعدم تمكن المجلس من عقد اجتماعات عبر التطبيقات المرئية بسبب نصوص لائحته الداخلية، وخضوع بعض أعضاء المجلس للاستقطابات بين القوى السياسية الداخلية والخارجية، وضعف الروح النضالية لدى بعضهم، وارتباط مواقف بعضهم بتسوية أوضاعهم المالية، وتراخي همتهم عند ضمان تحقق ذلك، إلا أن الوقوف على التحولات الأخيرة يبدي أنها تسير لصالح مجلس النواب وتدعم دوره، ومنها:

1- الارتفاع الكبير في مؤشرات الفساد، والانحراف الكبير في أداء السلطة التنفيذية، والذي أظهر تقرير لجنة التحقيق البرلمانية جانبًا منه.

2- التذمر الشعبي الواسع، نتيجة معاناة الناس بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والانهيار الكبير في أسعار العملة ومستوى الخدمات العامة، بالتوازي مع ارتفاع مؤشرات الفساد والفوضى.

3- التحفز الذي أظهره عدد كبير من أعضاء المجلس، سواء لدوافع تتعلق بدورهم في هذه المرحلة شديدة الأهمية من التاريخ اليمني، أو حتى لدوافع ذاتية تتعلق بمقاومة التهميش، فضلًا عن الهواجس الواسعة حول إمكانية إحلال هيئة التشاور والمصالحة بديلًا عن المجلس.

4- طبيعة المرحلة التي لا تحتمل المزيد من تغييب المؤسسات الرقابية، وأن الضغوط الداخلية والاشتراطات الخارجية تجبر الحكومة على تفعيل المجالس الرقابية لتمارس دورها في حدودها الدنيا كأقل تقدير.  

5- الموقف الدولي الضاغط، وخاصة من قبل دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والتي تبطن تبرمًا من حجم الفساد والانحراف في أداء الحكومة الشرعية، وتدعم جهود الإصلاحات الحكومية.

6- الفشل الذي منيت به هيئة التشاور والمصالحة وبقية المؤسسات التي تم تشكيلها مصاحبة لمجلس القيادة الرئاسي، فقد فقدت زخمها وتآكل دورها الوظيفي في ظل استمرار الانقسام بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي.

7- التحول في الموقف السعودي، وهو تحول وإن بدا محدودًا إلا أنه على درجة كبيرة من الأهمية. ففي ظل الاستقطاب بين السعودية والإمارات باتت الرياض أقرب إلى دعم المؤسسات التي تقف في وجه التوجهات الإماراتية. ويلحظ المراقب أن الموقف السعودي أقرب لصالح تفعيل مجلس النواب، في ظل الامتعاض من اتفاقية شركة الاتصالات وأمور أخرى. ولا يحتاج الأمر إلى التذكير بأن الضغوط السعودية هي من تقف خلف انعقاد جلسات المجلس في سيئون وعدن.

مسارات متاحة لتعزيز الدور الرقابي والحد من الفساد؟

لا شك أن الحراك الأخير لمجلس النواب حرك المياه في الحياة السياسية، وأحيا التجاذبات بين مؤسسات الدولة؛ لكن المدى الذي سيصل إليه يعتمد على نضالية أعضائه وتماسك قيادته؛ كما أنه يعتمد على طبيعة الأوضاع، فاستمرار حالة الهدنة يوفر فرصة أكبر لتنشيط المجلس، باعتبار أن قضايا الفساد وأداء الحكومة هي القضايا التي تتصدر الاهتمامات، وذلك بخلاف ما لو اتجهت الأمور نحو الحرب، ففي هذه الحالة سيكون التركيز على مسائل الحرب ومتطلباتها، وهنا إشارة الى ثلاث مسارات يمكن ان تدعم حضور المجلس في مواجهة قضايا الفساد:

(1) توظيف الأدوات المتاحة إلى أقصى حد ممكن

فالظروف الحالية تفرض على المجلس تفعيل الأدوات المتاحة، والاشتغال عليها، ومنها:

  • الاستمرار في تشكيل لجان التحقيق البرلمانية، وتفعيل أدائها، والاشتغال على نتائجها.
  • الانتظام في اجتماع هيئة رئاسة المجلس ورؤساء الكتل البرلمانية، وتفعيلها، والحرص على تماسك موقفها.
  • إحالة القضايا التي ثبت فيها فساد إلى النائب العام ومؤسسات القضاء تباعًا.

(2) الضغط من خلال الأدوات الموازية، ومنها:

  • تعزيز علاقة المجلس وأعضائه بالمجتمع المدني ومراكز الأبحاث، لتنفيذ حلقات نقاش وجلسات عمل، حول ما يثيره المجلس من قضايا فساد.
  • إثارة النقاشات مع المجتمع الدولي، والأطراف الدولية الراعية لعملية السلام، وخاصة لجنة العقوبات الدولية، والتي يندرج في ولاية عملها الفساد ونهب المال العام.
  • طرح ومناقشة قضايا الفساد في مؤسسة "برلمانيون يمنيون ضد الفساد"، التي ينشط فيها عدد من أعضاء المجلس الفاعلين، وترتبط بمؤسسة برلمانيون عرب ضد الفساد، وبرلمانيون ضد الفساد.

(3) الضغط للانتقال إلى الداخل

إذ على المجلس الاستثمار في الأثر الناتج عن النشاط الأخير، وتوجيه الضغوط باتجاه مجلس القيادة الرئاسي وبقية الأطراف، لإفساح المجال لدور أكبر أمام المجلس، بما في ذلك الاجتماع في مناطق السلطة الشرعية؛ وإذا ما تمكن المجلس من عقد اجتماع فعليه العمل بشكل عاجل على:

- تعديل لائحته الداخلية بما يتيح له عقد اجتماعات عبر تطبيقات الاتصال المرئي عند الضرورة.

- تقديم التنازلات والتوافق على تشكيل اللجان الدائمة.

أقراء أيضاً

التعليقات

ممارسات أدت إلى قرار البنك المركزي اليمني في عدن.


أخبار مميزة

مساحة اعلانية

رغم الحرب التي تشهدها اليمن، إلا أن عيد الأضحى والطقوس المرتبطة به ما زالت موجودة وتحظى بأهمية كبيرة بين الناس في اليمن.