شهدت ليبيا مساء أمس الثلاثاء حادثة مدوّية تمثلت في اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على يد أربعة مسلحين مجهولين اقتحموا منزله في مدينة الزنتان جنوب غرب طرابلس. وأعادت الواقعة إلى الواجهة صفحة معقدة من تاريخ البلاد الذي ما زال يعيش تداعيات مرحلة ما بعد عام 2011.
وعقب الإعلان عن الحادثة، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة قيل إنها لجثة سيف الإسلام موضوعة داخل شاحنة، بينما ظهر إلى جانبها عنصر أمني يلتقط صوراً للمشهد بهاتفه المحمول. إلا أن “العربية.نت/الحدث.نت” لم تتمكن من التحقق من صحة الصورة المتداولة، خاصة في ظل غياب أي بيان رسمي يؤكد هويتها.
اقرأ أيضا :عاجل : مقتل سيف الإسلام القذافي وتضارب حول الجهة المنفذة
فحص الجثة وفتح تحقيق رسمي
مكتب النائب العام الليبي أعلن، اليوم الأربعاء، أن فريقاً من المحققين والأطباء الشرعيين قام بفحص جثة القذافي الابن فور وصولها. وأكد البيان أن الوفاة نتجت عن إصابات مباشرة بطلقات نارية، مشيراً إلى أن الأجهزة المختصة تعمل على تحديد هوية المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات القانونية لرفع دعوى جنائية بحقهم.
وجاء هذا الإعلان ليضع حداً للتكهنات الأولية، لكنه فتح في الوقت ذاته أسئلة واسعة حول الجهة التي تقف خلف العملية وتداعياتها على المشهد السياسي الهش في البلاد.
من وريث محتمل إلى مطارد وهارب
سيف الإسلام القذافي كان قبل سقوط نظام والده يُنظر إليه باعتباره الشخصية الأكثر نفوذاً في ليبيا بعد العقيد، رغم عدم توليه أي منصب رسمي. فقد لعب أدواراً محورية في رسم السياسات العامة، وقاد مفاوضات حساسة مع الغرب شملت تخلي ليبيا عن برامج أسلحة الدمار الشامل، والتوصل إلى تسويات حول قضية تفجير طائرة “بان أميركان” فوق لوكربي عام 1988.
كما سعى إلى تقديم نفسه كمصلح داخلي، داعياً إلى صياغة دستور واحترام حقوق الإنسان، ومحاولة إخراج ليبيا من عزلتها الدولية. وتلقى تعليمه في كلية لندن للاقتصاد، وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ما جعله مقبولاً لدى عواصم غربية عدة.
إلا أن اندلاع انتفاضة 2011 غيّر مساره جذرياً، إذ اختار الوقوف إلى جانب والده، وأصبح أحد أبرز وجوه الحملة الأمنية ضد المعارضين، وخرج بتصريحات نارية وصف فيها المحتجين بـ“الفئران”، متوعداً بحرب حتى “آخر رجل وآخر طلقة”.
القبض عليه والحكم بالإعدام
بعد سقوط طرابلس، حاول سيف الإسلام الفرار إلى النيجر متنكراً بزي بدوي، لكنه وقع في قبضة كتيبة “أبو بكر الصديق” التي نقلته إلى الزنتان، حيث أمضى ست سنوات في الاحتجاز بعيداً عن حياة الترف التي عرفها سابقاً.
وفي عام 2015 أصدرت محكمة في طرابلس حكماً بإعدامه رمياً بالرصاص بتهمة ارتكاب جرائم حرب، فيما كانت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قد أصدرت مذكرة توقيف بحقه بتهم “القتل والاضطهاد”.
إفراج مثير وعودة إلى المشهد
عام 2017 أُطلق سراحه بموجب قانون عفو، ليختفي عن الأنظار سنوات قبل أن يظهر مجدداً في 2021 بمدينة سبها معلناً ترشحه للانتخابات الرئاسية. هذا الإعلان فجّر جدلاً واسعاً بين الليبيين؛ فبينما رأى فيه أنصاره رمزاً لمرحلة الاستقرار السابقة، اعتبره خصومه امتداداً لنظام استبدادي.
ورُفض ترشحه لاحقاً بسبب الحكم الصادر بحقه، ومع تعثّر العملية الانتخابية تحوّل اسمه إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف التي أسهمت في انهيار المسار السياسي برمته.
ماذا بعد الاغتيال؟
يرى مراقبون أن مقتل سيف الإسلام سيترك فراغاً داخل التيار الموالي للنظام السابق، وقد يدفع أنصاره إلى ردود فعل غاضبة، في حين قد تعتبر أطراف أخرى أن غيابه يزيل عقبة أمام أي تسوية سياسية أو انتخابات مستقبلية.
الباحث جليل حرشاوي اعتبر أن أهميته كانت “رمزية أكثر من كونها عملية”، وأن مقتله قد يغيّر موازين القوى داخل الساحة الليبية المضطربة، لكنه حذّر من أن الحادثة قد تفتح فصلاً جديداً من العنف والانتقام.
وبينما تواصل السلطات تحقيقاتها لكشف ملابسات الجريمة، تبقى ليبيا أمام اختبار جديد في مسارها الشاق نحو الاستقرار، وسط مخاوف من أن يتحول اغتيال سيف الإسلام إلى شرارة لصراع آخر في بلد لم يلتقط أنفاسه منذ أكثر من عقد.




التعليقات