توحيد القوات الأمنية في عدن… ضرورة دولة لا خيار سياسة
لم يعد الحديث عن توحيد القوات الأمنية والعسكرية في العاصمة المؤقتة عدن ترفًا سياسيًا أو مطلبًا مؤجلًا، بل أصبح استحقاقًا وطنيًا تفرضه تعقيدات المرحلة وحجم المخاطر المحدقة بالمدينة التي تمثل اليوم واجهة الدولة في المناطق المحررة.
إن استمرار تعدد التشكيلات وتباين مراكز القرار الأمني يخلق فراغات خطيرة تتسلل منها الفوضى، ويقوّض قدرة مؤسسات الدولة على فرض هيبتها وبسط نفوذها بصورة متماسكة. فكل تأخير في هذا الملف يمنح الأزمات مساحة أوسع للنمو، ويضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على حمايته وتأمين حياته اليومية.
المواطن في عدن لا يعنيه تعدد الجهات بقدر ما يهمه وجود مؤسسة أمنية واحدة قادرة على فرض النظام، وضمان الاستقرار، وصون الممتلكات العامة والخاصة. وعندما تتضارب الصلاحيات وتتعدد مصادر الأوامر، يكون الاستقرار العام أول الضحايا، وتتحول المدينة إلى ساحة تجاذبات تهدد ما تحقق من تعافٍ نسبي خلال السنوات الماضية.
كما أن أي تأجيج للتوتر داخل عدن، سواء عبر خطاب إعلامي متشنج أو استعراضات قوة أو تغذية للانقسامات، يحمل مخاطر تتجاوز البعد الأمني ليطاول النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة. فحركة الأسواق والاستثمار والخدمات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمستوى الطمأنينة، وأي اهتزاز أمني كفيل بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ويبقى بقاء القوات خارج إطار قيادة موحدة رسالة سلبية داخليًا وخارجيًا، مفادها أن مشروع استعادة الدولة ما زال يواجه تحديات بنيوية. وعلى النقيض من ذلك، فإن توحيد القرار العسكري والأمني يعزز الثقة بالحكومة، ويمنحها أدوات فعلية لضبط المشهد، ويغلق الأبواب أمام محاولات الاستغلال السياسي لأي توترات محتملة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب قرارات جريئة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتنطلق من حقيقة أن الأمن لا يقبل التجزئة، وأن عدن بحاجة إلى منظومة منضبطة تعمل بعقيدة وطنية واحدة. فالدولة القوية تبدأ دائمًا من مؤسسة أمنية موحدة، وأي مشروع استقرار خارج هذا المسار سيظل هشًا ومعرضًا للاهتزاز عند أول اختبار.
اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة




التعليقات