11 فبراير… ذاكرة ثورة صنعت وعياً وتبحث عن دولة
في الحادي عشر من فبراير يستعيد اليمنيون واحدة من أهم محطات تاريخهم المعاصر، يوم خرجت جموع الشباب إلى الساحات مطالبة بدولة مدنية عادلة، وإنهاء عقود من الفساد والاستبداد والاحتكار السياسي. لم تكن ثورة فبراير احتجاجاً عابراً، بل مشروعاً وطنياً حمل أهدافاً واضحة لبناء دولة المؤسسات وترسيخ المواطنة المتساوية وإعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والشعب على أساس الشراكة والحقوق.
وعي الساحات وبداية التحول
جاءت الثورة في لحظة تاريخية كان فيها المجتمع يرزح تحت أزمات متراكمة من تهميش اقتصادي وغياب للخدمات وانسداد للأفق أمام جيل شاب شعر بأن مستقبله يُصادر. وقد أعادت الحشود التي ملأت الساحات تشكيل الوعي الجمعي وكسرت حاجز الخوف، ودَفعت نحو مسار سياسي جديد تُوّج بالمبادرة الخليجية ثم مؤتمر الحوار الوطني الذي عُدّ خطوة غير مسبوقة لصياغة عقد اجتماعي جامع.
عراقيل داخلية وتدخلات خارجية
لكن مسار الثورة واجه تحديات جسيمة، أبرزها الانقسامات السياسية وضعف مؤسسات الدولة وتعدد الولاءات داخل الأجهزة العسكرية، إضافة إلى دور مراكز النفوذ القديمة في تعطيل التغيير. كما مثّل المشروع الإيراني عبر ذراعه الحوثي أخطر العراقيل، إذ رأى في نجاح الدولة المدنية تهديداً مباشراً لمخططاته، فاستغل حالة التراخي لينفذ انقلاباً مسلحاً أجهض مخرجات الحوار وحوّل حلم الثورة إلى صراع طويل.
إنجازات رغم العثرات
على الرغم من الانقلاب والتعثر، حققت الثورة مكاسب لا يمكن إنكارها؛ فقد رسخت مفاهيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية، وفتحت الباب لأول مرة أمام التداول السلمي للسلطة، وأطلقت أكبر عملية حوار وطني في تاريخ اليمن، كما منحت الشباب دوراً مركزياً في الحياة العامة.
دور سعودي في نقل السلطة
وكان للمملكة العربية السعودية دور محوري في تجنيب اليمن الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة عبر رعاية المبادرة الخليجية ودعم مسار الحوار الوطني. وأسهم الدعم الإقليمي في الحفاظ على الشرعية وتهيئة مناخ سياسي لانتقال السلطة وتشكيل حكومة توافق، قبل أن يعصف الانقلاب الحوثي بتلك الجهود.
شهادات من شباب الثورة
ويؤكد عدد من شباب فبراير أن دافعهم الأساسي كان استعادة الكرامة والعدالة وكسر الجمود السياسي. ويرى عبد الرحمن أن “الثورة أعادت للشباب صوتهم”، بينما يشدد نبيل على أن “الحلم ما زال ممكناً لكنه يحتاج صبراً وبناء مؤسسات”. ويعتبر مجاهد أن “العدالة الاجتماعية كانت جوهر الخروج”، في حين يرى عبد الله أن الطريق أصبح أصعب لكنه “ليس مستحيلاً إذا توحدت الإرادة الوطنية”.
حلم الدولة ما زال قائماً
يتفق كثيرون على أن حلم الدولة المدنية لم يمت، بل تعرّض لانتكاسة مؤقتة. فالثورة زرعت وعياً جديداً لا يمكن اقتلاعه، وأثبتت أن الشعب قادر على فرض التغيير متى توفرت القيادة والإرادة.
سقوط مشاريع التوريث
ويرى الباحث عبدالعزيز العسالي أن الثورة أسقطت مشروع التوريث سياسياً وثقافياً، وفضحت هشاشة مؤسسات الدولة والجيش، وكشفت خطر المشروع السلالي الذي تزامن مع مسار التوريث، مؤكداً أن مخرجات الحوار الوطني ما زالت تمثل خارطة طريق متوافقاً عليها.
التغيير ممكن رغم التعقيد
أما الكاتب فؤاد الوجيه فيؤكد أن أهم ما حققته فبراير هو كسر الجمود وإثبات إمكانية التغيير، محذراً من الاكتفاء بالحشود دون بناء وعي عميق، معتبراً أن الثورة الحقيقية يجب أن تكون ثورة مجتمع لا ثورة كيانات.
درس تاريخي متجدد
وتُظهر تجربة اليمن أن كل تحول كبير كان ثمرة ثورة شعبية، من سبتمبر وأكتوبر وصولاً إلى فبراير. ويؤكد الواقع أن أي محاولة لإعادة بناء الدولة دون قاعدة شعبية ستظل هشة، فالشعب هو صاحب القرار وصانع التغيير.




التعليقات