هدايا الموت.. من مطار الريان إلى عرس تعز: خيوط الاغتيال الإماراتي تعود للواجهة
في التاسع عشر من يناير/ كانون الثاني الجاري، أعاد كشف أمني خطير في محافظة حضرموت فتح واحد من أكثر ملفات الاغتيالات غموضًا ووحشية في اليمن، بعدما أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي ووزير الإعلام معمر الإرياني عن ضبط متفجرات مخبأة داخل عبوات هدايا في أحد المواقع التي كانت تستخدمها القوات الإماراتية والقوات التابعة لها داخل مطار الريان الدولي بمدينة المكلا.
ووفق التصريحات الرسمية، فإن العبوات المضبوطة كانت مجهزة لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة، وتضمنت مواد شديدة الانفجار من بينها مادة C4، صواعق، وأشراك خداعية، في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان واحدة من أبشع جرائم الاغتيال التي شهدتها اليمن خلال السنوات الماضية.
عبوات الريان… تشابه يوقظ الذاكرة
بالتزامن مع إعلان ضبط المتفجرات، تداول ناشطون ووسائل إعلام صور عبوات الهدايا المفخخة، والتي بدت متطابقة بشكل لافت مع العبوة الناسفة التي أودت بحياة ضابط في الجيش اليمني بمحافظة تعز عام 2018.
ففي ليلة الخميس 6 يوليو/ تموز 2018، تحوّل عرس الضابط في اللواء 35 مدرع صامد محمد سعيد المساح إلى مأتم دموي، بعد انفجار عبوة ناسفة وصلت إليه على شكل “هدية”.
الهدية لم يتسلمها الضابط بنفسه، بل وصلت إليه عبر شقيقته التي أصيبت بجروح بالغة، بينما تمزق جسد صامد إلى أشلاء داخل منزله في مديرية الشمايتين جنوب تعز.
رواية مضللة وحصار للشهود
عقب الجريمة مباشرة، سارعت كتائب أبي العباس المدعومة إماراتيًا إلى ترويج رواية بديلة، زعمت فيها أن الضابط قُتل بانفجار قنبلة روسية الصنع.
لكن الوقائع على الأرض كشفت عكس ذلك.
إذ قامت تلك الكتائب بالتحفظ على جثمان الضابط، وفرضت حراسة مشددة على شقيقته المصابة لأشهر، ومنعت وصول فرق البحث الجنائي إليها، في محاولة واضحة لإخفاء حقيقة العبوة الناسفة التي تسلمتها كهدية مجهولة المصدر.
تحقيق يكشف المستور
بعد عامين من الجريمة، كشف تحقيق استقصائي نشره موقع “يمن شباب نت” عام 2020 تفاصيل صادمة حول خلفيات اغتيال الضابط صامد المساح.
التحقيق أكد أن المساح كان من أشجع ضباط اللواء 35 مدرع، ودخل في صدام مباشر مع قيادات تابعة لكتائب أبي العباس بسبب رفضه تمرير شحنات أسلحة ومشتقات نفطية مهربة إلى ميليشيات الحوثي.
كما رفض الانخراط في أجندات أمنية مشبوهة كانت تُدار بدعم إماراتي داخل مدينة تعز.
الاجتماع السري قبل الاغتيال
وبحسب شهادات موثقة، تلقى الضابط المساح اتصالًا من المدعو عادل العزي، الرجل الثاني في قيادة كتائب أبي العباس، دعاه خلاله إلى اجتماع سري في مدينة النشمة بمديرية المعافر.
في ذلك اللقاء، طُلب من المساح حشد مسلحيه والانخراط في المواجهات الدائرة آنذاك داخل أحياء تعز القديمة، والتي كانت الكتائب قد حوّلتها إلى بؤر مسلحة مغلقة.
كما أبلغه العزي – وفق الشهادات – بأن “العدو الحقيقي هو حزب الإصلاح”، مطالبًا بتصفيته.
الأخطر أن العزي سلّمه قائمة بأسماء قيادات عسكرية وأفراد في الجيش الوطني مطلوب اغتيالهم.
رفض المساح العرض بشكل قاطع، وغادر الاجتماع عائدًا إلى قريته.
من الرفض إلى التصفية
بعد أيام قليلة، بدأ الضابط التحضير لحفل زفافه.
وفي ليلة الفرح، وصلت إليه الهدية القاتلة.
تشير الأدلة إلى أن الضابط قُتل لأنه:
-
رفض أوامر إماراتية مباشرة
-
امتلك معلومات حساسة عن شبكات تهريب
-
رفض المشاركة في تصفيات سياسية
-
أصبح عبئًا أمنيًا على الكتائب المدعومة خارجيًا
وهكذا، تم التخلص منه بطريقة بشعة، عبر عبوة مفخخة مغلّفة بورق الهدايا.
من تعز إلى حضرموت… السيناريو ذاته
اليوم، وبعد ضبط عبوات هدايا ناسفة داخل مطار الريان، تعود نفس الأداة، ونفس الأسلوب، ونفس المواد المتفجرة، ما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات خطيرة:
هل كانت مطارات ومواقع سيادية تُستخدم كمخازن لعمليات اغتيال؟
وكم ضحية سقطت قبل أن يُكشف هذا الملف؟
ويؤكد مراقبون أن ما جرى في الريان لا يمكن اعتباره حادثًا منفصلًا، بل حلقة ضمن شبكة اغتيالات منظمة استخدمت “الهدايا” كوسيلة قتل صامتة، بعيدة عن الشبهات، ومصممة لتصفية الخصوم دون ترك أثر مباشر.
ختام التحقيق
من مطار الريان إلى عرس تعز، تتشابه الأدوات وتختلف الضحايا، لكن الحقيقة واحدة:
الاغتيال لم يكن فعلاً فرديًا… بل سياسة.
وسيظل دم الضابط صامد المساح شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم التي غُلّفت بورق الهدايا، وخُتمت بالصمت، حتى أعادها كشف الريان إلى واجهة الحقيقة من جديد.




التعليقات