قراءة في وثيقة استخباراتية أمريكية نادرة..نفط اليمن… قصة صعود كان يمكن أن يصنع دولة مختلفة
تكشف وثيقة استخباراتية أمريكية، جرى تنقيحها والموافقة على نشرها، عن رؤية استباقية دقيقة صاغتها مديرية الاستخبارات في وكالة سي آي إيه منتصف الثمانينيات، حول التداعيات الجذرية لاكتشاف النفط في اليمن الشمالي. الوثيقة رأت أن ظهور الذهب الأسود بالقرب من الحدود السعودية وجنوب اليمن سيمثل نقطة تحول جوهرية تتجاوز الاقتصاد لتطال السياسة الداخلية والعلاقات الإقليمية والدولية لصنعاء، معتبرة أن هذا الاكتشاف سينقل البلاد من حالة الارتهان المالي للمساعدات الخارجية إلى مرحلة الاستقلال السياسي وبناء الدولة المركزية القوية.
وتشير المذكرة التحليلية التي أعدها مكتب تحليل الشرق الأدنى وجنوب آسيا إلى أن حجم الاحتياطيات المكتشفة آنذاك كان من المتوقع أن يضاهي حقول جنوب سلطنة عمان، ما يمنح صنعاء القدرة على إنتاج نحو 120 ألف برميل يومياً. واعتبر المحللون الأمريكيون ذلك «نعمة كبرى» لليمن الشمالي رغم ضآلة تأثيره على السوق العالمية، إذ كان من شأن هذه العوائد أن تعزز قبضة الرئيس علي عبد الله صالح، وتدفع بجيل من التكنوقراط المتعلمين في الغرب إلى واجهة الحكم، مقابل تراجع النفوذ التقليدي للقبائل التي شكّلت طويلاً رقماً صعباً في المعادلة اليمنية.
قلق سعودي وتوازنات إقليمية
وعلى الصعيد الإقليمي، توقع التقدير الاستخباري حدوث توتر صامت مع المملكة العربية السعودية، حيث تنبأ المحللون بأن الرياض قد تشعر بالقلق من وجود يمن مستقل مالياً وقوي عسكرياً، ما قد يدفعها لاستخدام أوراق ضغط مختلفة تشمل زيادة الدعم لزعماء القبائل أو المطالبة بحسم ملف ترسيم الحدود قبل تعاظم القوة الاقتصادية لصنعاء.
وفي المقابل، رأت الوثيقة أن النفط قد يكون جسراً لتقارب حذر بين شطري اليمن، إذ كانت عدن تطمح لاستغلال مصفاتها ومينائها لتصدير نفط الشمال، بينما كانت صنعاء تتوجس من رهن صادراتها لحسن نوايا الجنوبيين، في ظل مؤشرات جيولوجية واعدة بوجود ثروات مماثلة في مناطق التماس بين الشطرين.
فرصة أمريكية ومخاوف سوفياتية
أما في ميزان القوى الدولية، فقد اعتبرت الاستخبارات الأمريكية أن الاكتشاف يمثل فرصة ذهبية لواشنطن لبناء علاقة مباشرة مع اليمن بعيداً عن الوساطة السعودية، خاصة في ملف التسلح والصيانة. وحذرت الوثيقة من أن أي تردد أمريكي سيدفع صنعاء نحو الارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي الذي كان يمتلك بالفعل مئات المستشارين العسكريين هناك، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لليمن كصمام أمان لأمن البحر الأحمر والجزيرة العربية في ذروة الحرب الباردة.
من اقتصاد هش إلى دولة نفطية
واختتمت الوثيقة باستعراض الحالة الاقتصادية الصعبة التي سبقت عصر النفط، حيث كان اليمن الشمالي يعاني من اختلال تجاري حاد وانكماش في احتياطيات النقد الأجنبي التي تراجعت من 1.5 مليار دولار إلى مستويات لا تغطي سوى أشهر قليلة من الواردات. ولهذا اعتبرت «سي آي إيه» أن اكتشاف شركة «هنت» الأمريكية للنفط في مأرب لم يكن مجرد حدث اقتصادي، بل عملية «إعادة صياغة» كاملة لمستقبل البلاد وموقعها في الخارطة السياسية للشرق الأوسط.




التعليقات