اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة الجزء الثاني ..
الحكاية كاملة 


رحيل "عقل النظام".. علي لاريجاني وسقوط آخر جسور البرغماتية في إيران


 

أعلن النظام الإيراني رسمياً في 17 مارس الجاري مقتل علي لاريجاني، المستشار العسكري للمرشد الأعلى وأحد أبرز أعمدة الدولة الإيرانية على مدار أربعة عقود، في عملية اغتيال شكلت زلزالاً سياسياً وأمنياً في توقيت تعيش فيه البلاد مخاضاً عسيراً عقب غياب المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويُعد لاريجاني الشخصية الأكثر دهاءً وتعقيداً في الهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية، فهو لم يكن مجرد مسؤول عابر، بل كان "المهندس" الذي جمع بين شرعية المؤسسة الدينية، وخبرة الحرس الثوري، وحنكة الدبلوماسية الدولية.

وتعززت مكانة لاريجاني كـ "رجل الظل القوي" بما كشفته تقارير صحفية دولية مؤخراً؛ حيث أفادت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن المرشد الراحل علي خامنئي كان قد عهد إلى لاريجاني بمهمة استثنائية تتلخص في “حماية الجمهورية الإسلامية” وإدارة شؤونها في حال غيابه.

 

الارتقاء من بيئة النخبة

ولد علي لاريجاني عام 1958 في مدينة النجف بالعراق، لأسرة دينية رفيعة القدر؛ حيث كان والده آية الله العظمى ميرزا هاشم آملي أحد كبار المراجع.

ومنحت هذه النشأة لاريجاني "شرعية دينية" بالفطرة، وسهلت له التحالف مع طبقة رجال الدين الحاكمة في طهران بعد ثورة 1979.

واستطاع لاريجاني أن يزاوج بين العلم الديني والتعليم الأكاديمي المتين، حيث درس علوم الكمبيوتر والرياضيات في جامعة شريف التكنولوجية، ثم تعمق في الفلسفة الغربية وحصل فيها على درجة الدكتوراه من جامعة طهران. وأسهمت هذه الخلفية في صياغة لغته السياسية التي كانت تمزج دائماً بين الأيديولوجيا الثورية والمنطق الفلسفي الصارم.

 

ممسك بمفاتيح القوة

تدرج لاريجاني في مناصب حساسة جعلته يمسك بمفاصل الدولة الاستراتيجية لسنوات طويلة. وتولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون (IRIB) لعشر سنوات (1994-2004)، محولاً الإعلام الرسمي إلى أداة قوية لترسيخ قيم الثورة ومواجهة ما وصفه بـ "الغزو الثقافي الغربي".

 

وانتقل لاريجاني بعدها ليتولى ملفات أكثر خطورة، حيث شغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وكان كبير المفاوضين النوويين. واشتهر في تلك المرحلة بصلابته في التفاوض مع القوى الدولية، وصاحب المقولة الشهيرة التي وصف فيها مقايضة تعليق التخصيب بـ "السكاكر مقابل اللؤلؤ". كما تربع على عرش البرلمان لـ 12 عاماً متواصلة (2008-2020)، لعب خلالها دور "بيضة القبان" بين المحافظين المتشددين والإصلاحيين، ونجح بذكائه السياسي في تمرير الاتفاق النووي عام 2015 رغم معارضة الجناح الراديكالي الشرسة.

 

الأهمية الاستراتيجية: كاتم أسرار الدولة

تكمن أهمية لاريجاني التاريخية في كونه "رجل المهمات الحساسة" والمبعوث الخاص للمرشد الأعلى. واعتمد عليه النظام في إرسال رسائل استراتيجية للقادة الدوليين في الصين وروسيا وسوريا. ويُعتبر لاريجاني المهندس الحقيقي لاتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عاماً بين طهران وبكين، وهي الاتفاقية التي مثلت طوق نجاة للاقتصاد الإيراني.

 

وأوضحت التحليلات أن لاريجاني كان يمثل تيار "المحافظة المعتدلة" أو التكنوقراط، وهو تيار ضروري لبقاء النظام؛ إذ كان يمنع الانكفاء الكلي على التشدد الذي قد يؤدي للانفجار الداخلي، مما جعله صمام أمان بين أجنحة السلطة المتصارعة.

 

ومع انفجار المواجهة المباشرة مع تل أبيب في صيف 2025، والتي توجت بنزاع "الأيام الـ12" في يونيو، وجد النظام نفسه بحاجة لمسؤول يجمع بين الحنكة العسكرية والدبلوماسية. وفي هذا الصدد، عاد لاريجاني إلى واجهة القرار الأمني في 5 أغسطس الماضي، حين أُعلن تعيينه مجدداً أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، ليكون المسؤول الأول عن إدارة الردع وإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة.

 

دور مفصلي في "مرحلة ما بعد خامنئي"

عقب وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير 2026، برز اسم لاريجاني كأهم لاعب في "مرحلة الانتقال". وأشارت المصادر إلى أنه كان العقل المدبر الذي يرجح كفة مراكز القوى، والضامن لانتقال سلس للسلطة يحمي مؤسسات الدولة من التفكك.

 

وكان يُنظر إليه كـ "صانع للملوك"، فبينما لم يكن مرشحاً للمرجعية الدينية، إلا أنه كان الشخص الوحيد القادر على موازنة طموحات الحرس الثوري مع متطلبات الدولة العميقة، والحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة في أوج الأزمات العسكرية.

 

الاختراق الأمني: كيف وصلت إليه إسرائيل؟

أثار إعلان مقتله تساؤلات حادة حول حجم الخرق الأمني في الدائرة الضيقة للنظام. وأكدت التقارير أن وصول إسرائيل إلى إحداثيات تواجد شخصية بحجم لاريجاني في قلب طهران يمثل فشلاً استخباراتياً ذريعاً.

 

وأشارت المعطيات إلى أن استهداف لاريجاني لا يندرج تحت بند الضربات العسكرية التقليدية، بل هو "اغتيال سياسي" استهدف العقل المفكر للنظام. وأرادت إسرائيل من خلال هذه العملية توجيه رسالة مفادها أنه لا يوجد مكان آمن لأي مسؤول إيراني، وأن القدرة التقنية على التتبع تجاوزت كافة إجراءات التمويه المعقدة التي تتبعها القيادات الإيرانية.

كما  يرى محللون أن إعلان إسرائيل استهداف لاريجاني في قلب طهران يمثل تحولاً جوهرياً في مسار الصراع؛ فالمكانة التي كان يشغلها الرجل داخل منظومة الحكم تجعل من قتله ضربة لـ "عصب القرار" لا لمجرد كونه قائد عسكري. وأكدت المعطيات أن إسرائيل، بوصولها إلى لاريجاني، قد انتقلت من مرحلة استهداف المنصات والمخازن إلى مرحلة تصفية العقول المدبرة التي تضمن تماسك النظام في مرحلة ما بعد خامنئي.

 

ما بعد لاريجاني: مواجهة المجهول

رحل علي لاريجاني تاركاً خلفه نظاماً بلا "مهندس"، وجبهة داخلية تفتقر للرجل القادر على موازنة الصراعات. بفقده، طوت إيران صفحة البرغماتية الذكية، لتواجه المجهول أمام خصم بات يستهدف "دوائر القرار السياسي" مباشرة، مما يضع مستقبل الجمهورية الإسلامية على المحك في أخطر منعطفاتها التاريخية.

وانتهى بذلك فصل طويل من تاريخ رجل لم يكن مجرد موظف في الدولة، بل كان جزءاً أصيلاً من "الدي إن إيه" السياسي للجمهورية الإسلامية، ليبقى رحيله نقطة تحول قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط بأكمله..

 

اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا