خفت بريق ألحانها.. الحرب تغيب الأغنية اليمنية في "مغارة الطائفية"

ظلت الأغنية اليمنية تسافر عبر الزمن إلى كل الأرجاء في عهد ما قبل الإنترنت والألياف الضوئية، وعندما تغير الحال تحت وقع الومضات الرقمية التي تسهل الانتشار خفت بريق ألحانها بعد أن قطعت حرب السنوات الثماني أوصال حبالها الصوتية في الحناجر المخنوقة بعبرات المأساة.

كان اليمني يصحو على الإذاعة وهي تترنم بأصوات فيصل علوي أو المرشدي أو أبو بكر سالم أو عبود خواجة، وغيرهم، لتأتي الحرب وما خلفته من انهيارات عامة في جميع مناحي الحياة وسياقاتها الإنسانية، وتبرز أصوات مبتورة عن جذورها على هيئة "شيلات" من التراث الشعبي، بكلمات تستحث المراهقين والأطفال على الالتحاق بجبهات القتال للموت في سبيل من لا يعرفون أهدافه ولا شعاراته.

 

ما بين زمنين

بعد أن ظلت الأغاني في البلد المتنوع بتضاريسه تتخذ من العلاقة بين الرجل والمرأة ثيمة رئيسة في بنية الأغنية بمختلف ألوانها، تحولت اليوم، مع شحتها، إلى أصوات مخنوقة تأتي من مغارات الحرب، يحملها صدى شاحب يتغنى بعضها بصوت البندقية ودانة المدفعية ويعلي من شأن الصراع بعد أن شحنت نصوصها بعبارات الحشد والتجييش الطائفي إلى الحد الذي أظهرها مبتورة عن واقعها وطبيعة الحال التي ظلت معبرة عنها، خصوصاً مع قيام الثورة اليمنية في عام 1962 التي كانت شاهدة على نتاجات غنائية زاخرة ارتبطت بقضايا الناس وعبرت عن تطلعاتهم ومشاعرهم الإنسانية.

ويمكن اعتبار هذا التراجع امتداداً لتراجع فني عربي شامل يؤكده المتخصصون والمتابعون بعد أن تاه "الفن الجميل" في ضجيج المادة والذائقة المعولمة، إلا أنه حال غير مسبوق عززت منه تلك الهويات الغريبة وغير المألوفة التي تشكل اليوم تركيبة الأغنية اليمنية، بدءاً بالكلمة والصوت، وانتهاءً باللحن والتوزيع.

وهي الأغنية المتنوعة عطفاً على التنوع الجغرافي لليمن بتضاريس ومناخ شديد الاختلاف، من صحاري وجبال وسواحل، الأمر الذي انعكس على بنية المجتمع وفنونه الشعبية، ومنها الأغاني التي تقوم على أربعة ألوان رئيسة هي الصنعاني والحضرمي واللحجي والعدني، وغيرها.

 

غناء ارتجال

وعلى رغم آلة القمع الديني التي حطمت "القنبوس" (العود اليمني القديم) عبر التاريخ، وكانت ترتبط بالسلطة، وتحريضها المجتمع على تجريم الفن، وهو الأمر الذي حد من انتشار الأغنية اليمنية، فإن الغناء ظل محافظاً على حضوره على رغم ما يتهدد العاملين فيه حتى قيام الجمهورية.

يقول الناقد الغنائي جمال حسن إن "الحرب أثرت من حيث التضييق الذي مارسته الجماعة على الفنانين، لكن تبقى حقيقة أن جانباً من الفن اليمن ارتجالي، وليس قائماً على بنية مؤسسية حتى نستطيع أن نرصد إلى أي درجة أثرت فيه الحرب".

ويضيف، "لا توجد في اليمن أصلاً صناعة موسيقى، وليس هناك شركات إنتاج أو سوق بالمعنى الفعلي، وهي غالباً مرتبطة بالأعراس، ويؤدي فيها الفنانون أغاني تراثية أو أغاني جديدة تنتقل من صوت إلى آخر في الأعراس فقط".

 

منع واعتقال

وها هو الزمن يعود أشد فداحة، فعلاوة على ما خلفته الحرب من أوضاع صعبة في حياة الفنانين ونتاجهم العام، فإن القوى المسيطرة على العاصمة صنعاء سعت إلى تجريم الفن وفرض واقع فني جديد يخدم مشروعها السياسي، إذ لم يكن الفن بمعزل عن حالة الاستقطاب والتجييش الحاد الذي تشهده البلد منذ ما بعد الانقلاب الحوثي على الدولة والإجماع السياسي في عام 2014، ومساعي الميليشيات المدعومة من إيران لتطييف الشعب اليمني وحرصها المحموم على إنتاج كم كبير من "الشيلات" و"الزوامل" التي استدعتها من الموروث الشعبي الريفي، وكرست لها شعراء ومؤدين يتغنون بالسلالة و"العترة المطهرة" وتقديس "أعلام الهدى وآل البيت".

ومن والاهم، بصورة متشددة لم تألفها الذائقة الفنية اليمنية التي حافظت على نأيها عن الدعوات العصبية والطائفية ودعوات "إعدام" الآخر وقتله وتفجيره و"شبت النار" و"اليوم يوم الحشر" و"تنكيل تطهير اقتحام"، وغيرها، وهو ما يكرس مفهوماً خطراً للفن في الوعي الجمعي، وخصوصاً لدى النشء والشباب في الحاضر والمستقبل، في حين غاب النتاج الغنائي في المناطق التابعة لسيطرة الحكومة الشرعية، عدا أعمال نادرة منع من تطورها الشح الفادح في الإمكانات وانشغال الحكومة بتحمل كلفة الحرب وتبعاتها والأولويات الاقتصادية الملحة.

ووصلت الحال إلى شن حملات من التضييق على المشتغلين في الفن بمنع إقامة أي سهرات غنائية في حفلات الأعراس متعللين بأن الغناء محرم شرعاً و"يؤخر النصر"، بحسب عناصر الجماعة الحوثية.

وأصدرت الميليشيات تعميماً في مناطق سيطرتها تشدد على منع إقامة حفلات الزفاف، بحسب منشورات تداولها نشطاء يمنيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما حدث لعدد من الفنانين الذين احتجزوا ثم أطلق سراحهم بضمانات. ونتيجة لذلك، اضطر عديد من الفنانين اليمنيين لمغادرة البلد إلى عدد من الدول العربية والأجنبية، وخصوصاً دول الجوار الخليجي، حيث الاهتمام وسوق العمل الواعدة والحاضنة للإبداع الفني.

وهناك استطاع عدد منهم إنتاج أعمال غنائية "Single" تضمنت عناصر جديدة في اللحن والتوزيع الموسيقي وغيره من التقنيات الحديثة التي تطور الصوت، وهو أمر غير معهود، إذ عرف عن غالبية الفنانين اليمنيين أداء أغانيهم بصحبة آلة العود والإيقاع فقط، وهو ما منح بعضهم انتشاراً عربياً.

 

الهرب إلى "السوشيال ميديا"

واقع البلد الصعب دفع بغالبية الفنانين إلى اتخاذ "السوشيال ميديا" مسرحاً مفتوحاً لعرض أعمالهم التي لقي بعضها رواجاً واسعاً، لكنه ليس الرواج الذي يدفع بصاحبه نحو بلوغ مرحلة الاحتراف الفني والنجاح نتيجة عدم التحاق كثير منهم بمدارس الموسيقى ومعاهد الغناء.

وعلى رغم كل ذلك، فإن أرض الأغنية لم تصر يباباً بعد، إذ شهدت بين فترة وأخرى إصدارات لها ارتباط موضوعي بجذورها التاريخية والتراثية كما هي الحال بالنتاجات الفنية للفنان والموسيقار أحمد فتحي الذي أنتج عدداً من الأغاني بألحان مختلفة، ولاقت تفاعلاً واسعاً داخل اليمن وفي الخليج، لعل من أبرزها أغنية "عام السلام"، وكذلك أغنية "أبشرك يا سالم"، وغيرهما.

 

"اندبندنت عربية"

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية