بعد عقود من الإهمال.. سنوات الحرب تهدد بمحو معالم زبيد التاريخية (تقرير خاص)
ألقت الحرب المستمرة في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات بظلالها على كل مناحي الحياة المختلفة، وكان للمعالم التاريخية والأثرية في البلاد نصيبها الوافر من الدمار والنهب، منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء وعدد من محافظات اليمن.
ومن المحافظات التي تعرضت آثارها للتدمير محافظة الحديدة التي تقع فيها مدينة "زبيد"، التي يتجاوز عمرها 2400 عام وهي أول مدينة إسلامية في اليمن، فقد اختطها علي محمد بن زياد مؤسس الدولة الزيادية في العام 204هـ، وكانت قبل ذلك التاريخ عبارة عن ثلاث قرى صغيرة هي المنامة، النقير، وجبيجر.
وتعد مدرسة "القصارية" التاريخية التي تقع في سوق مدينة زبيد واحدة من أصل أربعين مدرسة تاريخية، بنيت في عهد الدولة الرسولية، لكن هذه المدرسة تعاني اليوم من تحويل أجزاء منها إلى مخبز عقب عقود من الإهمال الذي تتعرض له زبيد منذ حكم أسرة حميد الدين، التي حكمت اليمن الشمالي لعشرات السنين قبل ثورة 26 سبتمبر وظهور الجمهورية.
ونظراً لمكانتها العالمية فقد أصدرت منظمة اليونسكو عام 1993 قراراً باعتبار المدينة معلماً حضارياً تاريخياً ضمن معالم التراث الإنساني العالمي، وفى مارس من العام 1998 صنفت زبيد ضمن المدن التاريخية العالمية، لكن اليونسكو عادت وأدرجت حاضرة زبيد التاريخية على قائمة مواقع التراث العالمي، المعرضة للخطر في العام 2000، بسبب التهديدات المتعلقة بالتنمية، ونتيجة الإهمال الذي تتعرض له المدينة.
محو المعالم التاريخية
يؤكد الناشط اليمني "أحمد النعمي" أن ما تم تحويله لمخبز هو أحد الملحقات التاريخية، الذي كان عبارة عن مطباخة لتحضير التغذية لطلاب العلم في مدرسة القصارية، وأوضح أن إدارة الأوقاف في زبيد هي التي تقوم بتأجير هذه المباني للسكان، وفي ظل غياب السلطة المحلية جراء سيطرة الحوثيين على المدينة.
ويضيف "النعمي" في حديث خاص لـ "يني يمن" أن أكبر انتهاك تتعرض له مدينة زبيد هو تحويل الحوثيين، لعدد كبير من المدارس والمباني التاريخية إلى ثكنات عسكرية ومقرات لمسلحيهم، ما يعرضها للقصف الجوي من طيران التحالف العربي، وكان آخر تلك الحوادث قبل 6 أشهر حين تعرضت مدرسة البيشية الإسلامية لغارة جوية، عقب تخزين الحوثيين أسلحة بداخلها.
وأشار "النعمي" الذي يعد أحد أبرز من وثقوا معالم المدينة بكاميرته، أن الحوثيين باتوا يتحكمون بما يتم تدريسه داخل مدارس ومساجد المدينة وفرضوا منهج الجماعة وملازمها الطائفية، وعملت على ملاحقة كل من يرفض الانصياع وتدريس منهجها العقائدي.
وتحدث عن محاولة الحوثيين سرقة المخطوطات التاريخية للمدينة، والتي تتوارثها العائلات العلمية منذ أكثر من 900 سنة، وأكد أن تلك العائلات خبأت المخطوطات بعد كان الحوثيون يسعون لنهبها من دار المخطوطات الذي أنشئ قبل 15 عاما.
عقود من الإهمال وسنوات من الحرب
وكانت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" أكدت في (21 كانون الثاني/ يناير2019)، أن الحوثيين نهبوا "المخطوطات والكتب التاريخية والعلمية ونفائس نادرة" من مكتبة زبيد، وقال المدير العام للإيسيسكو، عبد العزيز التويجري، إن المخطوطات والكتب المنهوبة تمثل تراثا نفيسا يوثق تاريخ مدينة زبيد التي كانت عاصمة اليمن، من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
وفي أواخر أكتوبر 2018م فجر مقاتلون سلفيون ينتمون لقوات العمالقة الموالية للحكومة اليمنية، مسجد الفازة التاريخي بالديناميت، ما أثار حينها موجة كبيرة من الإدانة والاستنكار، ولم يتم إعادة إعماره حتى اليوم، وسط تحذيرات دولية من تعرض زبيد للتدمير مع اقتراب المواجهات والمعارك منها.
ويعود تاريخ بناء مسجد الفازة إلى أكثر من 1200 عام، وهو مسجد أثري قديم أسسه الصحابي الجليل معاذ بن جبل عند قدومه لليمن، كما تذكر كثير من المصادر التاريخية وجدده الوزير الحسين بن سلامة في عهد الدولة الزيادية، كما أن منطقة الفازة كانت أول ميناء لمدينة زبيد، وافتتحه الملك الناصر أحمد الرسولي سنة 822هـ عندما استقبل سفراء الصين والسفن المحملة بالبضائع.
لكن النعمي شدد على أن زبيد تتعرض للإهمال منذ عقود حكم أسرة حميد الدين وحتى اليوم، عبر نهب الموارد والأوقاف التي كانت تمول عملية الحفاظ وإعمار تلك المعالم التاريخية في المدينة.
وتتعرض آثار اليمن بالتدمير والتخريب المباشر وغير المباشر، بالإضافة لتهريب الذي تتعرض لها قطع الآثار وساعده في توسع عملياته، "وجود حكومتين" (المعترف بها دولياً والتابعة للحوثيين)، بالإضافة إلى مشكلة ثالثة، وهي عملية النبش العشوائي والبحث عن الكنوز والأموال، التي انتشرت بشكل كبير في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد.






التعليقات