اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة الجزء الثاني ..
الحكاية كاملة 


من المبادرة الخليجية إلى حكومة الزنداني وانهاء التمرد الإنتقالي : مسار 15 عاماً من احتواءالتحولات اليمنية برعاية سعودية

في التاسع من فبراير/شباط 2026، وفي قلب العاصمة السعودية الرياض، أدى الدكتور شائع محسن الزنداني اليمين الدستورية رئيساً لمجلس الوزراء اليمني داخل مبنى السفارة اليمنية، أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي. وبهذا أصبح الزنداني سابع رئيس حكومة يتولى المنصب استناداً إلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الموقعتين في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، والتي شكّلت الإطار السياسي الأبرز لإدارة المرحلة الانتقالية في اليمن منذ ثورة 11 فبراير.

مبادرة وُلدت من رحم الثورة

جاء صعود كلٍ من العليمي والزنداني إلى قمة هرم السلطة نتيجة مباشرة للمبادرة الخليجية التي وقّعها آنذاك حزب المؤتمر الشعبي العام برئاسة الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، وأحزاب اللقاء المشترك، برعاية سعودية مباشرة من الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز. وكانت المبادرة محاولة إقليمية لاحتواء تداعيات الربيع العربي في اليمن، عبر نقلٍ منظم للسلطة وتشكيل حكومة توافقية.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المبادرة مرجعاً دستورياً في كل قرار رئاسي يمني؛ إذ ترد في ديباجة القرارات إلى جانب الدستور. غير أن كثافة القرارات والتعيينات التي صدرت لاحقاً، خصوصاً بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، حوّلت كثيراً من بنود المبادرة إلى عبء سياسي نتيجة الانقلاب على مضامينها.

حرب وانقلاب على روح الاتفاق

رغم أن المبادرة هدفت إلى استقرار اليمن، فإن البلاد دخلت حرباً مفتوحة عقب انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران عام 2014، وبمساندة من الرئيس الأسبق صالح الذي انقلب بدوره على الاتفاق الذي كان أحد أطرافه. ومنذ ذلك الحين ظلت الرياض تتعامل مع المبادرة بوصفها "خارطة طريق" لا غنى عنها، وتحوّلت لاحقاً إلى ما يسميه العليمي اليوم بـ"الشراكة الاستراتيجية" مع المملكة.

وقبل سقوط صنعاء، كانت السعودية حريصة على جمع الأطراف اليمنية حول طاولة واحدة، وهو ما تُوّج بمؤتمر الحوار الوطني. إلا أن غياب الإشراف الخليجي المباشر، وتدخل المبعوث الأممي جمال بن عمر بصياغات بديلة، أدّيا إلى تعطيل مخرجات الحوار، وتوقف لجنة صياغة الدستور، وإضعاف هيكلة الجيش، وهي الثغرات التي استغلها الحوثيون وصالح للسيطرة على العاصمة.

من عاصفة الحزم إلى صراع الأجندات

أدركت دول الخليج متأخرة حجم الفراغ، فعيّنت مبعوثاً خاصاً إلى اليمن، لكن الحوثيين كانوا قد وصلوا أبواب صنعاء. ومع فرار الرئيس عبدربه منصور هادي إلى عدن، أعلنت السعودية في مارس 2015 انطلاق عاصفة الحزم لإعادة الشرعية. وبرزت المقاومة الشعبية التي حررت عدن ومحافظات أخرى، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع.

غير أن تحالف دعم الشرعية شهد لاحقاً اختلالات خطيرة مع تصاعد دور الإمارات التي دعمت تشكيلات موازية للدولة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي. والمفارقة أن الزبيدي نفسه صعد إلى المشهد عبر قرارات منبثقة عن المبادرة الخليجية حين عُيّن محافظاً لعدن عام 2016، قبل أن يقود لاحقاً مساراً انفصالياً بلغ ذروته بمحاولة انقلاب شاملة في ديسمبر 2025.

خطوط حمراء سعودية

إزاء هذا المسار، انتقلت الرياض من سياسة "العصا من المنتصف" إلى موقف أكثر حزماً؛ فبعد سنوات من احتواء الانتقالي عبر اتفاق الرياض 2019 وإشراكه في الحكومة ومجلس القيادة، وجّهت المملكة ضربة عسكرية لقواته وطردت النفوذ الإماراتي من اليمن، معتبرة أن أي مشروع انفصالي يمثّل انقلاباً ثانياً على المبادرة بعد انقلاب الحوثيين.

ولم يكن الزبيدي الوحيد الذي تنكّر للمرجعية الخليجية؛ فقد سبقه قادة آخرون مثل هاني بن بريك، الذين انخرطوا في استراتيجية تناقض جوهر المبادرة القائمة على وحدة الدولة والانتقال السلمي.

سياسة الإطفاء والحوار المفتوح

طوال السنوات الماضية انتهجت السعودية دور "إطفائي الحرائق"، فحافظت على قنوات تواصل حتى مع الحوثيين، ووصل سفيرها محمد آل جابر إلى صنعاء في مراحل التهدئة. واليوم، وبعد 15 عاماً، ما تزال الرياض تعتبر المبادرة المفتاح الوحيد للحل النهائي المتمثل في الاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات عامة.

وتؤكد التطورات الأخيرة، بما فيها استجابة المملكة لطلب العليمي عقد حوار جنوبي–جنوبي، أن الرياض ترفض القفز على المسار التوافقي، لكنها في الوقت ذاته لن تتسامح مع أي التفاف على وحدة اليمن أو أمنها الإقليمي.

الخلاصة

منذ توقيعها عام 2011 وحتى اليوم، تحولت المبادرة الخليجية من آلية لاحتواء ثورة شعبية إلى الإطار الناظم لكل التحولات اليمنية. وبينما تبدو البلاد غارقة في تعقيدات الحرب والانقسامات، تظل الرياض متمسكة بأن لا مخرج سوى العودة إلى روح تلك المبادرة: دولة موحدة، انتقال سياسي سلمي، وانتخابات تعيد القرار إلى الشعب.

اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا